لبنان بؤرة أزمات

93

شفقنا- بيروت- مهما بدا المشهد اللبناني محتدماً تحت عناوين شتى من قبيل تعارض المصالح، والخلاف الطائفي، واقتسام الحصص، والصراع على النفوذ؛ فإن التوفر على الحدّ الأدنى من التفكير المنطقي والضوابط الأخلاقية في إدارة المشاكل والتعامل مع الأزمات، كان سيتكفل على الأقل، بالمساعدة على اجتراح الحلول والحؤول دون الانجراف نحو الهاوية. وفي المحصلة لا مفر من الاعتراف بأن افتقاد روح الدولة يشكل عاملاً أساسياً في حال التخبّط والفوضى التي يشهدها لبنان.

انعدام معيارية الصواب والخطأ هو سيد الموقف في لبنان، حيث لا منطق يضع الأمور في نصابها، وهو شرط لبناني لازم لتحقيق الانسجام بين المكوّنات المتناقضة وهي تكافح على طريق إلغاء الدولة. أما في المسألة الأخلاقية، فإن الفارق بين بلاد الأرز وغيرها يكمن في أن تعاطي الفساد، في بلاد الله الواسعة، غالباً ما يكون مموّهاً ومستتراً وخاضعاً لكثير من العمليات التجميلية، بينما امتهان الفساد في الشأن العام اللبناني هو سنّة متّبعة، ونية ظاهرة، وشعار يفاخَر به، وطبع يتفوّق على التطبّع.

يعود اختلال الأسس الناظمة للدولة في المشهد اللبناني إلى بدايات المراحل الأولى لتأسيس الكيان. يبدو أن أزمة لبنان المنطقية والأخلاقية من مستلزمات تشكله وجودياً. لا يحتاج الأمر إلى اجتهاد وعناء في سبيل الاعتراف بأن لبنان في هويته الوجودية أقرب إلى كونه حلبة تنازع منه إلى وطن للتعايش. الهوية اللبنانية كانت وما زالت ولاّدة مفارقات ترقى إلى مستوى التناقضات. فهي عصيّة على الاكتمال نتيجة تدافع مكوّناتها، وعاجزة عن إنتاج ما يناقضها من وحدة وطنية في ظل ما تحمله من تجزئة طوائفية.

من المفارقات اللبنانية الدامغة، تخوف معظم اللبنانيين من الحراك المدني الذي شهده لبنان اعتراضاً على الفساد الذي ينخر البلاد بطولها وعرضها. منشأ التخوف يعود إلى انعدام الثقة ببعض الحراكيين وارتباطهم بمؤامرة خارجية تتخطى موضوعة الفساد والإصلاح. خروج هؤلاء الى الشارع لم يكن مقبولاً بسبب إمكان ارتباط نفر قليل منهم بالسفارات، فيما السكوت على ما هو قائم في البلاد من فساد وخراب يعبّر عن الوفاء الوطني وعدم الارتهان للخارج والحرص على الاستقرار! فالسكوت على الفساد شرط لازم في الحفاظ على المصلحة اللبنانية، والحيطة من الاختراقات الأجنبية، وقطع الطريق على الدوائر المعادية من التدخل في شؤون البلاد. و «المنطق» اللبناني يستدعي التصدي، من موقع الحرص على مصلحة لبنان، لأي حركة شبابية مناهضة للفساد، بينما لا يتنافى مع «القيم والأخلاق» اللبنانية صيرورة الدولة مثلا أعلى في الفساد والفوضى والخراب! هنالك تعارض صارخ بين ما يجب أن تكون عليه الدولة وما هو قائم في المشهد اللبناني. لبنان ليس سوى بؤرة أزمات تعيد إنتاج ذاتها، وحلقة مفرغة يتساوى فيها المضي إلى الأمام والعودة إلى نقطة الصفر. فليس من قبيل الصدفة أن فساد المسؤولين يؤازره سكوت الناس، وبالتالي ليس من قبيل الشماتة القول بأن اللبنانيين يستأهلون ما يصيبهم. فلبنان دولة قائمة على شراكة فاسدة بين زعماء آلهة لن يطول الوقت بهم قبل أن يذهب كل إله منهم بما خلق، والعياذ بالله مما يفعلون.

حبيب فياض -صحيفة السفير

www.lebanon.shafaqna.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here