العرب والمسلمون.. وضياع الديموقراطية

68

شفقنا- بيروت- ربّما من قبيل النكتة والمزاح ما تناقلته الألسن ومواقع التواصل الاجتماعي منذ مدة، بأنّ العرب لم يعرفوا الديموقراطية إلا حين اجتمعوا لقتل نبيّهم (محمّد)، مختارين من كل قبيلة رجلاً، علّ السيوف تكون ضربة رجل واحد، فيضيع الدم وتتلاشى المطالبة بالثأر. ولكنّ النكتة عادة لا تولد من فراغ، بل من معانيها: المسألة العلمية الدقيقة التي يُتوصّل إليها بدقّة وإنعام وفكر. بالاضافة إلى ولادتها جدليًّا من رحم المأساة والحزن، كما تكون الحياة تعبيرًا عن الموت، وتستحيل المأساة مهزلة حين تتكرر، كما يقول (ماركس). لم يعرف التاريخ العربي، وبعده العربي الاسلامي، كلمة ديموقراطية، مصطلحًا وممارسة. فلم ترد في الكتب القديمة، ضمن المصطلحات التي نقلت عن الكتب اليونانية، بلفظها كالجغرافيا والفلسفة والفنطاسيا، أو بلفظ عربيّ شكّل ترجمة لها كما هي الحال في العديد من المصطلحات الأخرى كالرياضيات والمنطق والطبيعيات والسياسة. مع أنّ كلمة علمانية الأكثر إشكالية وخطورة، تشير بعض الكتب إلى استخدامها منذ القرن الرابع للهجرة أو ما قبل ذلك.

فالديموقراطية بمعناها العام (حكم الشعب نفسه بنفسه)، لم تكن معروضة على العقل العربي الإسلامي كأداة تفكير، ولم تكن من القيم التي تشكّل منظومة معينة في تلك الثقافة أو الحضارة، وربما لم تكن من المفكَّر فيها أو القابلة للتفكير (كما يقول الجابري)، عبر عرضها على أداة التفكير العقلية… ولم يظهر معناها خارج إطار الكتب الفلسفية، فقد جاءت بمعنى الجماعية، ونظامها ورد مترجمًا عند الفارابي مثلاً بـ «المدينة الجماعية». وربما كانت أهدافها من القيم الأساسية التي طرحها الاسلام، كالعدل مثلاً. ولكن العدل غالبًا ما كان محصورًا بالله، ومعنى الديموقراطية العملي لم تعرفه الثقافة العربية الإسلامية في أوج حضورها وسيطرتها سواء في صدر الإسلام الأوّل أم في العصور التي تلته والتي شهدت مشاهد دموية سوداء، وصراعًا على ما كان مدنّسًا مقارنة بالمقدّس الذي طرحه الرسول ودعا إلى الترفع عن كبائر الدنيا من أجله. وهذا يعود إلى تسلّح جميع الفرق بحجج تثبت حقّها في الحكم، ليكون يوم وفاة النبي بالذات تقويمًا لذاك الصراع الذي لمّا يزل، بنتائجه، متحكّماً بالعقلية العربية الإسلامية إلى اليوم برغم انتفاء مسبّبيه وأسبابه. وبرغم انتفاء هذه القيمة الأكثر فاعلية في تقدّم المجتمعات البشرية، من القاموس العربي الإسلامي حضاريًّا وثقافيًّا، إلاّ أنّ نواة أو بذرة لها لاحت في الأفق، لكنها كانت كشمعة سرعان ما أخمدت نارها بعد إشعالها مباشرة، ولو عُمل بها لكانت ركيزة تأسيسيّة للعملية الديموقراطية بمعناها العصري والحديث. لكنّ تغليب السياسي المدجّج بالدّين، جعل الاحتكام إلى السيف هو سيّد الموقف والأكثر حضورًا في دساتير الحكّام منذ ذلك الوقت إلى اليوم، إذ لم يرث الحكم إلا الشكل التوريثي للسلطات. فغابت الدولة ومؤسساتها لتحلّ محلّها قوى سلطوية أو تسلّطية ما زالت تجترّ نفسها وتتوالد وتتناسل من ذاتها إلى اليوم، مقدّسة الثوابت، ومحجّرة المتغيرات.

تعود هذه المحاولة، إلى يوم وفاة النبيّ (ص)، حين غلب المدنّسُ المقدّسَ، وكان النبيّ لم يُوارَ في الثّرى بعد. إذ اقتحم جماعة من المهاجرين السقيفة، مفوّتين فرصة الخلافة على الأنصار، بقيادة سعد بن عبادة، الذي كان يرى أنّهم أحق بالخلافة لأن شوكة الاسلام لم تستو وتقو إلا بهم، مستندًا إلى أقوال الرسول به وبقومه. لكنّ الخليفتين أبا بكر وعمر، لم يرُق لهما الأمر، لأنّ القريشيين لهم الحق في ذلك نظراً الى عامل القرابة، رافضين اقتراحًا «ديموقراطيًّا»، من قائل الأنصار الحباب بن المنذر، حين قال: منّا أمير ومنكم أمير، والأولوية لقريش والثانوية للأنصار، حتى إذا هلك الأول يقع الاختيار على الفريق الثاني، وهكذا يستمر التداول، ما بقيت هذه الأمة، فإن زاغ القريشي يقبض عليه الأنصاري وإن زاغ الانصاري يقبض عليه القريشي. لكن كلام الخليفة (عمر) كان حازماً متجاوزًا ديبلوماسية أبي بكر حين قال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد.

هكذا، شكّل هذا الطرح بذرة لتداول السلطة، ومحاسبة الحاكم بإقصائه حين يحيد عن طريق الحكم الصحيح. لكنه طرح أُجهض في وقته، وراح المتحاربون دفاعًا عن الدين وإعلاء اسم الله يستميتون في الصراع وإلغاء الآخر، متحججين بأن الحكم لهم وحدهم، رافعين شعارات توريثية. فرأت فرقة الشيعة أن النبي أوصى بالخلافة لعلي بن أبي طالب وسلالته، وهذا لا يبتعد من الحكم التوريثي، ليمارس الخلافاء الراشدون التعيين بدلاً من الاختيار. إذ راح كل خليفة يعيّن مَن سيخلفه بعد موته. ولا بدّ من أن يكون لكل هذه الطروح حكمة مرحليّة. لكنّ الأمر استمرّ ولم يُراعَ تغيّر الظروف والمعطيات، حتى إذا انتقل الحكم إلى الأمويين والعباسيين، تكرّس الحكم التوريثي وتمسّكُ العائلة بالكرسي، فقتل الأخ أخاه، وحارب الاب أبناءه. وما زال هذا النمط من الحكم هو الغالب، توارثه الحكام العرب مستمدين شرعيتهم من الدين استغلالاً، فخاصم الفكر فكرة الديموقراطية الوجه الأبرز للحداثة، متسلحين بفكرة أنها لوثة غربية، فحوربت بطرق مختلفة واتهامات متعارضة لم يلتق أصحابها إلا على إلغائها، وإن كانت شعاراً تغنّى به الجميع، قوميًّا وماركسيًّا واسلاميًّا..

علي نسر-صحيفة السفير

www.lebanon.shafaqna.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here