وجعلنا من الماء موتاً لكل شيء حي

133

شفقنا- بيروت- ما من شك في أن شعبية المسؤولين اللبنانيين قد ارتفعت في الآونة الأخيرة بعدما أعربوا عن استيائهم وانزعاجهم إزاء الأزمة التي يعيشها نهر الليطاني. هؤلاء باتوا أكثر من ذي قبل موضع تقدير الناس وتعاطفهم لأنهم وقفوا الى جانب النهر وهو في نزعه الأخير. مستوى التأسف الذي أظهره أولياء أمور الشعب، على الحالة المزرية التي وصل اليها أطول نهر في لبنان، يقطع الطريق على كل المحاولات المغرضة التي تحاول النيل من المسؤولين في حرصهم على الصالح العام واتهامهم بالفساد والتقصير.
في كل العالم، تستدعي صناعة الزعامة معايير الفضيلة، إلا في لبنان فإن المعايير مقلوبة وتعتمد على الرذيلة ومشتقاتها. أهل الحل والعقد في بلاد الأرز آلهة فوق المحاسبة ويُعبدون من دون الله ولا يُسألون عما يعملون. يفعلون فعلتهم ثم يصطفون في أوائل صفوف المستنكرين فيحصدون التصفيق والتأييد والدعاء لهم بطول العمر والمزيد من التوفيق. وكأنهم من سلالة يأجوج ومأجوج: لا حل من دونهم وهم لا يحلون ولا يعقدون. لقد طحنوا عظام الوطن وهم يتربعون على أنفاس اللبنانيين، وها هم اليوم يغتالون النهر وهم يتباكون على ضفافه.
لقد حول هؤلاء الوطن الجميل إلى مرتع بشع وأقاموا على أنقاضه مواطن كثيرة. فجعلوا من الماء كل شيء نتن، ومن الهواء ملوثات قاتلة، ومن الواحات الخضراء صحارى قاحلة، ومن الشجر الأخضر حطباً يوقدون به أوار الفتن، ومن الشواطئ أملاكاً منهوبة. وليس في البحر سوى ضرّ يمس الناس، ولا لحم طرياً منه يأكلون. وأما في السماء فغازات سامة وأمراض وما يوعدون.
لا خير في لبنان من دون الجنوب، ولا حياة في الجنوب من بعد الليطاني. لقد قتل المجرمون النهر من أجل بضعة ملايين يجنيها بعض المقربين من المتنفذين، فجعلوا مياه الجنوبيين غوراً وأرضهم بواراً. لا شيء بعد النهر يبقى كما كان قبله. لقد دخل الليطاني مرحلة الموت السريري وهو مرشح لموت أبدي. ليس موت النهر سوى نهاية وطن جميل وولادة ألف شكل قبيح. فقط في لبنان تموت الأنهار. وفقط في لبنان يجعلون من الماء موتاً لكل شيء حي.
لم يولد الفساد في لبنان بين ليلة وضحاها. كل من ساهم في ترسيخ منهج الفساد في الدولة في كل صغيرة وكبيرة، سابقاً وراهناً، هو اليوم شريك في موت الليطاني ولاحقاً في موت الوطن. لا سامح الله كل من ساهم في غيبوبة النهر كائنا من كان. كيف لا يخرج أهل الجنوب من بيوتهم شاهرين جوعهم وعطشهم الى الشارع مستنكرين بلوغ النهر حافة النهاية. أيها الناس إنه الليطاني: أعمق من تاريخ وأبعد من جغرافيا. فأي هلوسة قد تعيد النهر إلى مجراه؟ أي صرخة قد تعيد إلى النهر نقاءه؟ وأي مرثية قد تفي فاجعة النهر حقها؟
قال مظفر النواب «أحمل من وسخ الدنيا أن النهر يظل لمجراه أمينا»، فيما سيحمل اللبنانيون من وسخ النهر مليار دولار من الديون، وبرغم أن المبلغ سيذهب بمعظمه هدراً، لكنهم سيظلون أوفياء للقابضين على حياتهم والممسكين بزمام أرواحهم لمجرد أنهم قادة ومسؤولون.
حبيب فياض-صحيفة السفير

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here