خاص-بعد الدعوة للتعامل مع الصين، ماذا عن “طريق الحرير” التاريخي؟

895
خاص شفقنا- بيروت-
تربط الصين والبلدان العربية أواصر الصداقة والمحبة منذ القدم. كان التبادل الصيني – العربي عبر طريق الحرير مكثفا ومزدهرا. كما كان الصينيون والعرب القدماء يتبادلون علوم الفلك والرياضيات والطب وصناعة البارود والورق والطباعة والبوصلة.. وشهدت العلاقات الصينية – العربية تطورا ملحوظا بعد الحرب العالمية الثانية في ظل تأسيس جمهورية الصين الشعبية الجديدة ونضالات الشعوب العربية من أجل تحقيق الإستقلال والتحرر الوطنيين.

أصل تسمية “طريق الحرير”

  يعود إسم “طريق الحرير” إلى العالم الجيولوجي والرحالة الألماني فرديناند فون ريتشهوفن (1905-1833) الذي قام برحلات عديدة امتدت من العام 1860 إلى العام 1872، وقد أطلق على الطريق التجاري الممتد من الصين حتى روما اسم “طريق الحرير”.
لقد كان طريق الحرير، بالإضافة إلى كونه طريقا تجاريا دوليا، عامل اتصال حضاري ربط بين الغرب والشرق، تفاعلت من خلاله الحضارات في العصور القديمة والوسطى والحديثة، التي مرت بها هذه الطريق، في كل من الصين وتركستان، وكوريا، وأفغانستان، وشبه القارة الهندية، وإيران، وبلاد ما بين النهرين، وبلاد الشام، وإيطاليا وصولا إلى الداخل الأوروبي.
فحقق هذا الطريق العولمة بمعانيها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وحتى السياسية.

طرق الحرير قديما:

  بالطبع لهذا الطريق التجاري الهام عدة طرق مرت عليها قوافل التجار، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
الطرق البرية: كان الطريق التجاري ينطلق من الحدود الشمالية الغربية للصين على طول حافة الصحراء (غوبي) نحو سمرقند، وبلاد فارس، وبلاد الشام. وتواجدت طرق بديلة وكانت هذه الطرق تقطع بواسطة الإبل ذات السنامين، التي تميزت بالقدرة على اشتمام المياه الجوفية، والتنبؤ بالعواصف الرملية التي تقترب.
أما الطرق البحرية: فكانت تمر عبر المحيط الهندي، وأبعدها تلك التي كانت تربط الساحل العربي بالصين. وتقف عند مدخل الخليج العربي (سيراف)، لتنقل إليها البضائع من البصرة والبحرين، ثم لتنطلق نحو ساحل عمان، وصحار في مسقط للتزود بالمؤن والماء العذب، لتنطلق بعدها السفن نحو ساحل الملبار، فشبه جزيرة الملايو، وآخر يتوجه نحو سومطرة وجاوة، ثم الهند الصينية، ثم إلى مدينة كانتون على الساحل الصيني.

أبرز المدن التي مرّ بها طريق الحرير:

  تبدأ الطريق من الصين، وهي تنطلق من عدة مدن صينية (برّا وبحرا) نذكر منها:
– مدينة كانتون: وهي مدينة ساحلية صينية على المحيط الهندي، رست في مينائها السفن التجارية الكبيرة الحجم القادمة من بلاد الهند، وفارس، وجزر الملايو وهي محملة بالمواد العطرية والعقاقير وكل ما هو ثمين.
– مدينة يانج – تشو: وهي المدينة التجارية الثانية في الصين، كانت تقع عند تقاطع أحد أهم أنهر الصين “يانجستي” وهو النهر الذي كانت عبره تنقل منتوجات العالم إلى مدن شمال الصين، من مدينة كانتون، وكانت يانج – تشو أيضا مركزا مصرفيا وسوقا للذهب.
– مدينة شيآن: كانت المحطة الأولى على طريق الحرير، تحولت إلى المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للصين.
– إضافة إلى مدينة كاشغر، سمرقند، بخارى، بيشاور، مرو، همذان، طهران، بغداد، دمشق، مدينة حلب، تدمر، بيروت، انطاكية، إسطنبول، البندقية، وروما… إلخ.

أبرز سلع ومنتوجات طريق الحرير:

  لابد من الإشارة بأن الصين كانت في عهد الأسرة تانج (618 – حوالي 900م) المموّن الأكبر للسلع الفاخرة لآسيا كلها:
المنسوجات: وأشهرها الحرير بحيث تنقل الأساطير الصينية أن بداية حياكة الحرير يعود إلى زمن الإمبراطور الصيني “هوانغ تي”، وعندما اشتهر وزادت قيمته غزا العالم وشكل ثورة في عالم المنسوجات.إضافة للمنسوجات الصوفية، اللباد، الكتان، المقصبات، القطن.
الجواهر: أهمّها الياقوت، الفيروز، الزبرجد، العقيق، الذهب، الماس، اللؤلؤ، الزمرد، المرجان، الخزف والبورسلان، الكريستال (البلور)، العاج.
التوابل والبهارات: منها الفلفل، القرفة الدار الصيني، الطيب (المسك – العنبر – العود).
المواد العطرية: كالبخور، الكافور، القرنفل..
سلع مختلفة: الملح، السكر، الفراء والريش، المعادن..
يضاف إلى ما ورد الحيوانات الأليفة والبرية، النباتات، المقدسات والكتب.

طريق الحرير في العصر الحديث:

  أما في الوقت الراهن تتطور العلاقات الصينية – العربية بصورة أعمق في إطار التشارك في بناء الحزام الاقتصادي انطلاقا من روح طريق الحرير التي تتسم بالتعاون والانفتاح والمنفعة المتبادلة.
ففي عام 2013م طرحت الصين مبادرة بناء “الحزام والطريق” التي تشتمل مضامينها الرئيسة على تبادل السياسات، والتواصل بين المرافق، وسهولة التجارة، وسيولة العملات، وترابط قلوب الشعوب. وقوبلت المبادرة بتجاوب إيجابي من البلدان العربية حكومات وشعبا.
وبدأت الصين نقل ثقلها للإنفتاح نحو وسطها وغربها بعدما بات تعميق الإنفتاح الشامل كإحدى ركائز تنمية البلد. ومنذ سنين بدأت البلدان العربية تتوجه نحو الشرق؛ فيلتقي التوجهان الصيني والعربي تكريسا أساسيا جديدا للتعاون بين الطرفين.
كما تسعى الصين إلى التكامل الاقتصادي وتحقيق التنمية الإقتصادية المستدامة، وتمتلك البلدان العربية كمية كبيرة من الموارد الطبيعية وعلى الأخص الطاقة. كما ان الصين أصبحت من أكبر البلدان المنتجة التي تلبي حاجات البلدان العربية إلى الإستيراد.
وكان قد ألقى الرئيس الصيني “شي جينبينغ” خطابا خلال زيارته مقر الجامعة العربية منذ سنوات، حيث اكد ان الصين على استعداد لتكون من بناة السلام في الشرق الاوسط، ودافعة لتنميته، ومساهمة في تطوير صناعاته، وداعمة لتثبيت استقراره، وشريكة في تعزيز تفاهم شعوبه.
ولا ننسى تكثيف التبادل على مستوى رفيع، وتعميق التعاون في مجال الطاقة الانتاجية، اضافة الى تعزيز الحوار بين الحضارتين من اجل توطيد الركائز الثقافية للصداقة الصينية – العربية، والعمل على حماية تنوع الحضارات والرفض سويا ربط الارهاب بعرق او دين بعينه.

  تذكر وسائل إعلامية بأنه حتى الآن وقعت 126 دولة و29 منظمة دولية اتفاقات تعاون مع بكين، وفي الفترة الأخيرة كثر الحديث عن انفتاح لبنان اقتصاديا نحو الشرق خاصة على الصين، فهل ينضم لبنان إلى قائمة هذه الدول أم لا؟ كما يتساءل البعض هل “طريق الحرير” سيصبح نظام عالمي جديد أمام ما نراه من تخبط في النظام العالمي الحالي الذي قد يغير موازين القوى على الساحة الدولية؟

وفاء حريري – شفقنا 

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here