نور الدين لـ”شفقنا”: قرار اردوغان حول “آيا صوفيا” ضرب للمسار العلماني بتركيا

762
الخبير في الشؤون التركية د. محمد نور الدين
خاص شفقنا- بيروت-
أمام انشغال العالم في مكافحة وباء مستجد وخطير والحديث عن إمكانية نشوء حرب بين محورين كبيرين على رأسهم الولايات المتحدة الأميركية والصين، أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قرارا يقضي بإعادة تحويل متحف “آيا صوفيا” في اسطنبول الى مسجد، الأمر الذي أثار جدلا واسعا وتساؤلات عدة حول توقيته والأسباب التي دفعت بأردوغان الى اتخاذه، فما هي هذه الأسباب؟ وكيف ستكون التداعيات؟

  مسار التقليل من علمانية الدولة التركية وعلمانية المجتمع التركي من أجل تكوين مجتمع ودولة أكثر تديّنا هو مسار متواصل ومستمر ومفتوح لحزب العدالة والتنمية، بحسب الخبير في الشؤون التركية الدكتور محمد نور الدين، في حديث خاص لوكالة “شفقنا”، وأوعز نور الدين هذا القرار إلى أسباب داخلية وأخرى خارجية. داخليا، من أجل تعزيز شعبية حزب العدالة والتنمية التي تشهد بعض التراجع، خاصة بعد انشقاق أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان عنه، والذين أسّسا حزبين أثرا على القاعدة الشعبية لحزب اردوغان. بالتالي هناك حاجة ملحة لاستعادة بعض النقاط من الرأي العام، وذلك يكون من خلال الضرب على الوتر الديني، إضافة الى كسب أصوات بعض الفئات المتدينة التي ليست مع حزب العدالة والتنمية ولكنها في منطقة الوسط، كي يتفادى اردوغان خطر الخسارة في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2023م.

  على صعيد الأسباب الخارجية، رأى نور الدين أنه في الأشهر الأخيرة شهدت سياسة اردوغان الخارجية توسعا كبيرا من خلال الاتفاق البحري مع ليبيا، اضافة الى التعاون العسكري بين البلدين عبر ارسال مقاتلين من ادلب وجنود وضباط أتراك وأسلحة تركية. كما أن اردوغان، في هذه اللحظة الاقليمية والدولية الرمادية والتي تشهد تناقضات كبيرة، يحاول ان يضيف خطوة اخرى الى قائمة الخطوات التي يقوم بتحقيقها في الآونة الأخيرة من أجل اظهار صورته كزعيم ليس إقليمي فقط بل عالمي أيضا، مثل احتلال شمال سوريا، ووجود مراكز ضرب شمال العراق، التمركز في ليبيا، ووجود الخط البحري بين تركيا وليبيا الذي يؤثر على الدول المنتجة للطاقة بالشرق المتوسط.

اردوغان نجح بتحدّيه للعالم الغربي والمسيحي

  واعتبر نور الدين أن قرار “آيا صوفيا” أيضا تحدٍ للدول المعادية له بشرق المتوسط من قبرص واليونان ثم مواجهة مصر والسعودية والإمارات، مضيفا: “ليس هناك خطوة تثير انتباه وتحدي الرأي العام الدولي وخصوصا المسيحي مثل خطوة إعادة متحف آيا صوفيا الى مسجد، مستغلا عدم استعداد القوى المعارضة له من الكنيسة الأرثوذكسية الى العالم الاوروبي للقيام بإجراءات صارمة وأساسية ضده “.

  وحول تداعيات هذا القرار يعتقد نور الدين بأنه في ظل الدعم الأميركي للعديد من سياسات اردوغان الإقليمية كما في سوريا وليبيا، وفي ظل الإنقسام والضعف الأوروبي لن يكون هناك خطوات عملية ضد القرار، بل سيتم الإكتفاء بالتنديد أو إتخاذ بعض الإجراءات المحدودة، وقال: “لكن لا يغير هذا شيئا من واقع أن اردوغان نجح في تحدّيه للعالم الغربي والمسيحي، وإظهار نفسه على أنه زعيم قوي وقادر”.

الأقليات الدينية في تركيا موضع تضييق وتقييد

  وفيما يتعلق بالحديث عن بداية أسلمة تركيا العلمانية، أشار نور الدين إلى أن مسار تديّن الدولة والإنتقاص من المكاسب العلمانية بدأ مع وصول حزب العدالة والتنمية وليس الآن، وأن الخطوة الأخيرة لذلك هي إعادة تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد والبدء بالصلاة فيه اليوم 24 تموز، لافتا إلى أن إلغاء قرار مجلس الوزراء التركي عام 1934م، القاضي باعتبار “آيا صوفيا” متحفا، هو ضرب ليس فقط للعلاقات الاسلامية – المسيحية بل أيضا ضرب للمسار العلماني بتركيا ولرمزه مصطفى كمال أتاتورك الذي كان رئيسا لتركيا في ذلك العام.

  وتحدث نور الدين عن الأقليات الدينية في تركيا، حيث أشار إلى أنه بالأساس كانت الأقليات هناك موضع تضييق وتقييد لحركتها الدينية وغير الدينية، مستشهدا بمنع إعادة فتح مدرسة الرهبان في جزيرة هيبلي أضا قرب اسطنبول، والتي أغلقت بمطلع السبعينيات، حيث كانت تخرّج رهبانا للطائفة الأرثوذكسية. أيضا هناك عدم الإعتراف ببطريركية الروم الأرثوذكس، في محلة الفنار بمنطقة الفاتح باسطنبول، على أنها بطريركية تخص كل أرثوذكس العالم وبأنها عاصمتهم الدينية كما هو حال الفاتيكان بالنسبة للكاثوليك، بل والإكتفاء بالقول على أنها مجرد بطريركية محلية بإحدى أقضية اسطنبول نفسها. أضف الى ذلك التعرض لرجال الدين المسيحيين من وقت لآخر ليس من الآن لكن منذ عقود، الأمر الذي يثير استفزاز المسيحيين، قائلا: “إن طريقة تعامل اردوغان مع الأقليات الدينية غير المسلمة لا شك بأنها عدم احترام للحرية الدينية لهذه الطوائف”.

  وفي الختام، رأى نور الدين بأن مشاركة اردوغان شخصيا في أول صلاة جمعة داخل مسجد “آيا صوفيا” لها جوانب سلبية، سواء لجهة حوار الحضارات أو لجهة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، معللا ذلك بأن تركيا الآن تتطلع لتكون جزءا من الإتحاد الأوروبي، وجزءا من حوار الحضارات وما يسمى بمسار برشلونة، الأمر الذي سينعكس سلبا عليها، وتابع: “إذا كان تبرير اردوغان بأن السلطان محمد الفاتح سنة 1453م قد حوّل هذه الكاثدرائية الى جامع فهذا غير مبرّر في الشرع الإسلامي، أي تحويل كنيسة الى مسجد خاصة في زمن الحرب وفي تلك المرحلة من القرون الوسطى والحروب الدينية، في حين أنه لو لجأ الى إعادة “آيا صوفيا” لما كانت عليه قبل الإحتلال العثماني سنة 1453م، ككنيسة للمسيحيين، أعتقد أن مكاسبه الخارجية كانت ستكون كبيرة جدا، لكن ذلك سيفقده بعض التأييد في الداخل التركي”.

وفاء حريري – شفقنا 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here