السيد السيستاني يعيد تعريف مشروعية الحوار؛ بقلم أبو الفضل فاتح

3689

خاص شفقنا- بيروت-

بقلم الدكتور أبو الفضل فاتح (خريج جامعة اكسفورد وباحث في الشؤون الثقافية والإعلامیة)

يعتبر مؤشر الإيمان بـ “الحوار” -كمدرسة بحد ذاتها- وتوظيفه في سبيل النهوض بالنظم الثقافية والسياسية والاجتماعية، من بين المؤشرات بالغة الأهمية التي تكاد أن تكون نقطة تبويب بين نظم العالم الحديث وبين جيل النخبة السياسية والدينية والثقافية في العصر الجديد.

إن المؤمنين بما أسميه “مدرسة الحوار”، لا ينظرون إلى ساحة الفكر والممارسة إلا بوصفها ساحة تفاعلية، فهم عبر الحوار يتأملون الإبداع والخلق. فتراهم، وأعني أهل الحوار، ملتزمين بمستلزماته العقلية ولا يجلسون أمام بعضهم البعض إلا جلوسًا متكافئًا. فمن يبلغ القول، يحسن الإصغاء. لا حاكم إلا العقل ولا مجال للفرض والإكراه. الأسبقية في هذا النموذج للحوار بصفته استراتيجية وسلوك، أما باقي الطرق فهي من المستوى الثاني.

البنية التحتية للحوار في فكر وسلوك آية الله السيستاني

إن لقاء آية الله السيستاني والبابا دلالة واضحة المعالم على أهمية “الحوار” في عالمنا اليوم. ومن المصادفة بمكان أن نزعة سماحته لمدرسة التعايش وإيمانه بمبدأ الحوار هو ما منحه مكانة سامية في تاريخ التشيع المزهر؛ واليوم يتجسد هذا الجانب ليس فقط في أخلاق وسلوك سماحته وإنما في تفقهه أيضًا.

ولا يُخفى على أحد بأن المجتمع العراقي المثقّل بالفجوات والأحداث والصراعات، يعرف مدرسة آية الله السيستاني بمختلف أبعادها الفكرية والاجتماعية، حق المعرفة. فهو رأى بأم عينه ولمس تجسد هذه المدرسة في الاعتراف بحقوق كافة المكونات والطوائف العراقية، وفي التأكيد على تركيبته الفيسيفسائية وضرورة مشاركة الجميع، وفي نفي ديكتاتورية الأغلبية على الأقلية، وفي التأكيد على تعايش وتعاشر الأديان والطوائف وأهمية الحق في الاختيار الحر، وضرورة تشكيل دولة مدنية في العراق، وفي الاعتراف بحق المعارضة بعيدا عن العنف، وفي حرية الإعلام والأحزاب، وفي الابتعاد عن العزف على وتر الخلافات الطائفة أو الدينية، وفي تفادي التفوق الطبقي، وفي معارضة التأسيس لثنائية الرئيس والمرؤوس، وكذلك في إبعاد رجال الدين وعلماءه عن ممارسة السياسة بمعنى التدخل في الشؤون التنفيذية، وفي منعهم من الدخول في تفاصيل الأمور السياسية.

هذه المؤشرات كلها قد خرجت من داخل تفاسير سماحته العصرية وتنظيره المتجدد وما يتميز به من إبداع وابتكار، وانتماء “نظرته الفقهية” إلى ركائز عنوانها الكرامة وحقوق الإنسان ومصالح البشر العامة، وكذلك قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” وقاعدة “الاحترام الفقهية الإبداعية”*.

وبهذه النظرة حاول سماحته تحسين بنية بعض القواعد الفقهية وجعلها أكثر عصرية. فضلا عن كتاب سماحته “الفقه للمغتربين” الذي يزخر بمراعاة حقوق الديانات والدول الأخرى.

غلبة خطاب ساكن شارع الرسول

لست في موضع الحكم على جميع أهداف زيارة البابا، فذلك يجب أن يدرس على حدة. لكن يمكن القول بإن رغبة البابا فرنسيس في زيارة العراق، خاصة في ظل ما تتعرض له المسيحية من تهديدات كثيرة ومنها هجرات المسيحيين غير الطوعية وحملة الإلحاد، كانت نابعة من الرؤية الكونية وثقافة الكنيسة الكاثوليكية للحفاظ على المسيحية حيثما وجدت. لكن جذور مقاربته للقائه التاريخي والفريد وحواره مع آية الله العظمى السيستاني، سيما بعد رحلة طويلة إلى النجف الأشرف وتحديدا إلى منزل سماحته، تعود إلى النظام الفكري لآية الله السيستاني نفسه والذي يجعل الأنظار تحدق إلى تلك النقطة في شارع الرسول؛ والنتيجة لم تكن فقط تأثير غلبة خطاب آية الله على أجواء اللقاء وطريقته في ممارسة السياسة، على شكل جلوس البابا، وإنما أدى ذلك إلى المطالبة بالعدالة الاجتماعية والتعايش، ومعارضة الحروب والظلم والفقر والحصار الاقتصادي، وتوجيه النقد للقوى الكبرى، ونفي كل أشكال الاحتلال ومنه الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين- كرسالة مشتركة لهذا اللقاء-.

علمًا إن الزيارات التي يقوم بها البابوات وقديسي الكنيسة للحفاظ على المسيحية ليست وليدة اليوم وإنما تضرب في القدم. كما إن الحوار مع المذاهب والأديان ليس شيئًا طارئًا عند كبار علماء الشيعة، ومنه يمكن أن نستذكر لقاء آية الله العظمى البروجردي بالشيخ شلتوت وما قاما به من مراسلات متبادلة. ومع كل هذا، لم تأخذ الحوارات الدينية، في مستوياتها العالية جدًا، طابعًا جديًا، وفقًا للضروريات، فلم تتجاوز شكلها الرمزي كما لم تصل إلى مستوى الزيارات والسفر. فيا حبذا لو يطبق هذه الأمور أولئك الذين لديهم القدرة على ذلك لما فيه من تأثيرات متبادلة في تماسك الشيعة وترابطهم، وكذلك لمساهمته في تطوير نظام الفتوى وتحقيق مزيد من التجارب الإيجابية.

التشيع بحاجة لمبدأ عالمي

دعونا لا ننسى بأن الشيعة وبسبب تنوعهم من حيث الانتشار الجغرافي، وكذلك سلوكيًا ومرجعيًا، بحاجة لمبدأ (doctrine) عالمي وعصري يساهم في الحفاظ على مجموعيتهم كوحدة كاملة متماسكة في التقلبات التاريخية في مختلف الأصعدة والأماكن. فالترحيب بالحوار مع زعيم الكنسية الكاثوليكية ليس عرضًا سياسيًا أو تفاخرًا مدنيًا، وإنما يمكن اعتبار اللقاء و”استراتيجية الحوار” جزءًا من مبدأ بعيد النظر ونقطة تحول في التفاعل بين الأديان وبين الثقافات وفي الاعتراف بالاختلافات في المجتمع الإنساني. ومنه يولد التعايش والسلام والاعتراف بـ “الآخر” فيخلق حقًا متبادلًا. هذا المبدأ الذي يجعل من التشيع، مدعوما بالمعارف النبوية والعلوية، وبمساعي فقهاءه وعلماءه على امتداد 14 قرن، وبتضحيات الشيعة أنفسهم، عنصرًا أكثر فاعلية للخطاب الإنساني المطالب بالعدالة، على المستوى العالمي.

كل عقيدة أو مدرسة فكرية لها خصائص ومميزات تعرف بها عالميًا، والتشيع يمكن أن يكون عنوانه الحوار والإنسانية والعدل. فلا ننسى بأن الشيعة يعتبرون أٌقلية في غالبية الدول، وهذا ما يمكن أن يتيح للتشيع ممارسة الحوار والعدل والنهوض به. كما يجب ألا ننسى بأن ممارسة “الحوار” تنطلق من البيت. فمن لا يحترم الحوار في بيته، كيف له أن يكون رائده في العالم؟ فإذا لم يحترم الشيعة حقوق الأقليات التي تعيش معهم في بيت واحد، فكيف بهم يتوقعون الاحترام من الآخرين في غير أوطانهم؟ الأمر لا ينحصر بالشيعة فقط، فالغالبية من المسلمين وفي معظم دول العالم، هم مهاجرون أو ضيوف أو أقليات، فلابد من الاهتمام والتخطيط بمستقبلهم.

فالكثير من القرارات التي يتم اتخاذها في إيران والعراق والسعودية ومصر، تنعكس في الحياة الاجتماعية والفردية لملايين الجاليات المسلمة. فأصحاب القرار في طهران وبغداد والرياض والقاهرة والنجف وقم والأزهر لا يظنوا بأن تأثير قراراتهم السياسية وفتاواهم الدينية سوف ينحصر داخل الحدود الجغرافية لبلدانهم، بل العكس تمامًا. فمخالب السياسة التي باتت المسيطرة حاليًا، يمكن أن تخدش، وبشكل مكرر، وجه التعاطف والحوار بين أتباع الديانات والمذاهب.

الحوار كـ “مكمل” للحياة الشيعية

لقاء النجف تميز بنقاط بارزة تبعث على الأمل ويجب التطرق إليها في هذا المقام. ومنها التغطية الإعلامية الثقافية الواسعة التي حظي بها “حوار التشيع والمسيحية”. فهذه التغطية والاهتمام كانت نابعة من حاجة البشرية لمثل هذه اللقاءات والحوارات وكذلك لمبادئ الحوار، أكثر من كونها نابعة من عمل دعائي إعلامي. فآية الله السيستاني لا يمتلك أي منبر إعلامي على هذا المستوى، فوسيلته الإعلامية هي سلوكه وأسلوبه وعقيدته وفتاواه. ومن جملة هذا السلوك الحكيم، هو ما شاهده الجميع في هذا اللقاء من ملاحظات خاصة. بدءا من بساطة العيش والتواضع المتكافئ مع أدنى طبقات الناس، وآداب الجلوس، مرورا بالملبس ولغة الجسد التي كان لها رسائلها الخاصة، وانتهاءًا بعدم وجود أي رجل دين كبير أو مسؤول سياسي رفيع في الاستقبال أو التوديع، وكذلك غياب أبناء سماحته، وهما من فضلاء حوزة النجف الأشرف، في الصور القليلة التي انتشرت بعد اللقاء.

أما النقطة المهمة الأخرى فهي ما أظهرته النخب الشيعية، وبمختلف توجهاتها، من ترحيب واسع باللقاء من شأنه المساهمة وبشكل فاعل، في تبيين ودراسة وتنظير وتعميق ومأسسة ثقافة هذه الحوارات. وكلنا نعلم إنه لا يمكن تعريف روح مثل هذه الأحداث وما فيها من مغزى، في إطار الهيمنة التنافسية، بل يجب تعريفه كمكمل للحياة الشيعية. فما يترتب من لقاء النجف من إيجابيات ومنافع كبيرة، لا ينحصر بالمجتمع المسيحي في العراق فقط، بل يجب النظر إلى تأثيراته ودلالاته على نطاق عالم التشيع كله وكذلك ما فيه من مصالح كبرى للإنسانية والأديان والموحدين تتجاوز حدود العراق وإيران أو النجف وقم.

مشاهد من حكمة “المصلح”

لنتذكر، بعيدًا عن السياسة في النجف وفي قم وفي طهران وفي بغداد، وبغض النظر عن القوى العابرة للحدود، فإن قلب بقاء التشيع وعزته، ينبض في هذين البلدين، وإن تجنب تفتيت التشيع وتشتيته يتطلب يقظة شاملة من الجميع. وكما نعلم، فإن آية الله السيستاني وبذكاء من سماحته، لم يسمح لظهور مثل هذه الانقسامات، فهو في مواقفه وسلوكه، ينبض قلبه للتشيع والإسلام والإنسانية والشعب العراقي المظلوم الذي يعقد عليه الأمل بسبب الاحتلال وعدم كفاءة السياسيين.

فأُفقه التشيع والإنسانية، ولا ينافس طهران أو قم. قالها قبل عشرين سنة: “إذا كانت إيران بخير، غمر الفرح قلبي. لكن قلبي يتألم إذا وصلتني أخبار سيئة من إيران”.

لا يمكن رسم ودراسة مستقبل العراق وإيران والمنطقة بالتسرع والارتباك. فالمستقبل زاهر إذا التزم الجميع، وسيما القادة والنخب، بمبادئ التعايش السلمي والحوار. فبمرور الوقت تتضح نتائج حكمة آية الله السيستاني وبصيرته. ومنه سياسته ودقته في تعامله مع الأمريكيين المعروفين بتاريخهم الملطخ بالاحتلال والانقلابات العسكرية وسفك الدماء في الشرق الأوسط. يقول سماحته: “لأن أقنع الأمريكيين بادرت إلى استخدام لغتهم. ففي احتلالهم العراق تذرعوا بإسقاط الديكتاتورية وإقامة الديمقراطية. وبلغتهم، اقترحت عليهم التحكم بصندوق الانتخابات على أساس المبادئ والمصلحة. ولم يكن أمامهم حلًا سوى قبول هذا الاقتراح الديمقراطي لأنهم كانوا قد أتوا بهذا الشعار. وكانت النتيجة إجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة العراقية”.

وفي الوقت نفسه، ولما ابتلي العراق بداعش الذي لم يكن يقبل أصلًا الأخذ بلغة الحوار والتعامل والتمكين للحق، وبعد ارتكابه لتلك المجازر بعيدا عن أي منطق وعقلانية، ومن ثم انسداد جميع الأبواب، بادر سماحته إلى إصدار فتوى الجهاد. وفي هذا الصدد يقول سماحته: “أفتيت بالجهاد وطبعي لا يميل لمثل هذه الفتاوى. كان الأمر صعبًا جدًا بالنسبة إلي. فأكثرت من الدعاء والصلاة لله تعالى وأفتيت بالجهاد”.

“الحوار” قوة التشيع الناعمة

تدل كل هذه الشواهد على منهج آية الله السيستاني في مزج “العقل والنقل والتاريخ والتجربة” مزجًا عصريًا، فيقدم حلول وطريقة ومدرسة اجتهادية متجددة تستند على الثقة بالنفس والعقلانية والمصلحة، فلا يمكن لأحد معارضتها إلا إذا جعل نفسه في موضع الضعف والانفعال.

وليس لقاء النجف والحوار مع البابا سوى نقطة تحول لسلوك آية الله السيستاني ومدرسته. وبعيدًا عما قيل وكتب، فإن الأيام ستكشف -إن شاء الله- ما في تعميق الحوار والتسامح والإنسانية والسلم من تأثيرات خالدة وكذلك انطباعاته على منظومة أهل الفتوى الفكرية وعلى أتباع المذهبين وسيما قوة التشيع الناعمة.

وبالطبع لا يعني هذا نهاية الفجوات والعنف، لكن توقيت الحدث ومكانه، وعناصره وشخصياته الفاعلة.

وبالطبع لا يعني هذا نهاية الفجوات والعنف، لكن توقيت الحدث ومكانه، وعناصره وشخصياته الفاعلة، فضلا عن سماته وما يبعث من دلالات في عصر الإعلام وأمام أعين العالم، منح الحوار، ولمرة أخرى، مشروعية وبصبغة جديدة، كما كرس مكانة الحوار داخل “مبدأ التشيع” فجعل منه ركيزة استراتيجية. وهذا بالضبط ما كان بإمكان آية الله السيستاني، أن يفعله -باعتباره مصلحًا خالدًا- انطلاقا من زقاق ضيق في شارع الرسول، لمجد المذهب والأمة والإنسانية والتاريخ، كل ذلك دون أن يكون لديه جيش أو دولة أو حكومة.

وفيما تعاني منطقتنا من فجوات مخربة، والأراضي الإسلامية تعاني من الهيمنة والحضور الأجنبي، نأمل أن يتم استغلال هذه الفرصة التنويرية فنستخدم الحوار، أكثر من أي وقت مضى- على كل المستويات، وذلك من أجل التعاون والفهم المتبادل ولرسم مستقبل أكثر إشراقًا.

تحية للزعماء والقادة ممن “الحوار” اهتمامه ودعوته وفتواه؛ أولئك القادة الحكماء الذين لا يخطون خطوة سوى لخير وصلاح الأمة ولـ “التعايش السلمي والتكاتف الإنساني” في جميع المجتمعات، وفقا لمبدأ احترام حقوق الآخرين والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات ومختلف التيارات الفكرية.

*إنّ معظم علمائنا الأعلام يتلقون بعض القواعد الفقهية بنفس الصياغة التي طرحها السابقون ولا يزيدون في البحث فيها إلإّ عن صلاحية المدرك لها أو عدمه ووجود مدرك آخر وعدمه، أما السيد السيستاني فإنّه يحاول الاهتمام في بعض القواعد الفقهية بتغيير الصياغة، مثلاً بالنسبة لقاعدة الإلزام التي يفهمها بعض الفقهاء من الزاوية المصلحية بمعنى أنّ للمسلم المؤمن الاستفادة في تحقيق بعض رغباته الشخصية من بعض القوانين للمذاهب الأخرى وإن كان مذهبه لا يقرّه، يطرحه السيد السيستاني على أساس الاحترام ويسميّها بقاعدة الاحترام أي احترام آراء الآخرين وقوانينهم، وانطلاقه من حريّة الرأي وهي على سياق (لكلّ قوم نكاح) و (نكاح أهل الشرك جائز) وكذلك بالنسبة إلى قاعدة التزاحم التي يطرحها الفقهاء والأصوليون كقاعدة عقلية أو عقلائية صرفة يدخلها السيد الأستاذ تحت قاعدة الاضطرار التي هي قاعدة شرعية أشارت لها النصوص نحو (ما من شيء حرّمه الله إلإّ وقد أحلّه لمن اضطر إليه) فإنّ مؤدى قاعدة الاضطرار هو مؤدى قاعدة التزاحم بضميمة متمم الجعل التطبيقي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here