السيد السيستاني.. دام ظلّه بصدق

1223

شفقنا- بيروت-
بقلم حسن منيمنة

غالباً ما تلحق عبارات التوقير بالشخصيات بالبارزة من باب اللياقة اللفظية ليس إلا، إن لم يكن في الأمر طمع أو خوف. أما علي السيستاني، سماحة السيد، آية الله العظمى، الإمام المرجع، فإنه أحد قلة يمكن أن يقال بشأنه أنه قد استحقها.

تشتكي أوساط عدة من دعاة الانفتاح من أن السيد السيستاني، رغم مواقفه السياسية المتقدمة، ليس صاحب موقف إصلاحي إزاء التوجهات “الرجعية” الراسخة في الفقاهة الإمامية، بل إن هذا التجاور، بين سياسة لينة وتدّين متصلب، سواء تعمّد السيد الازدواجية هنا أم لم يتعمّد، يبرز كعائق أمام المسعى الإصلاحي، ويشكّل تمكيناً وتمريراً للمواقف المجحفة بحق فئات عدة، ولا سيما النساء. فإعادة فرض الفقه الجعفري كأساس للتشريع ولا سيما في الأحوال الشخصية يشكل تراجعاً مشهوداً في تأطير حقوق المرأة العراقية.

ليست المسألة عرضية ولا هي قابلة للإهمال، ولا بد من حسابها عند تقييم أثر السيستاني وإرثه.

على أن السيستاني، بصمت وتحفظّ، كان صاحب دور هام في إنقاذ العراق من مقتلة أكثر قباحة من التي عاشها.

كان تقييم الجماعة الجهادية التي انتظمت فيما بعد باسم تنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين”، وفي مرحلة لاحقة أعلنت نفسها “دولة إسلامية” ثم “خلافة” على مدى الكوكب، أن العراقيين السنة لا يستجيبون بالقدر الكافي لجهود التعبئة المبذولة في أوساطهم، رغم الاعتراض المتنامي في عموم العراق لاستتباب صيغة الاحتلال، في أعقاب إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام حسين عام 2003. والخطة التي شاءت هذه الجماعة السير بها، ضمن منطق “إدارة التوحش” والذي كان قد تشّذب من أدبياتها، هي الالتفاف على هذا الجمهور المستهدف لاستقطابه. أي بدلاً من الجهد الفاشل في جلبه مباشرة من خلال الدعوى والتحفيز، أن يكون العمل على دفعه وإن مكرهاً إلى الانضمام إلى توجهاتها الإقصائية القاتلة، من خلال الإمعان بالأذى وإراقة الدماء في أوساط العراقيين الشيعة، عسى أن تعمد المجموعات المسلحة الناشطة في هذه الأوساط إلى الانتقام من العراقيين السنة، ما يدفع العديد من هؤلاء إلى الاصطفاف مع الجهة القادرة على الاقتصاص من قتلتهم، أي تنظيم “القاعدة” نفسه.

بعض قيادات “القاعدة” المركزية تحفّظ على هذه الخطة. لم تكن هذه القيادات قد استكملت مسارها باتجاه تكفير جمهور الشيعة، وإن شهّرت بعلمائهم بأشنع النعوت، ولا هي كانت مستعدة للتسليم بأنه ثمة مبرر شرعي لاستدعاء قتل المسلمين (السنّة)، أي أن قدراً من التحفظ جاء لاعتبارات أصولية. هذا التحفظ زال في مراحل تالية، من خلال الميل المتصاعد للتوسع بالمفاهيم القائمة، مثل التترس والبيات وقتل مجهول الحال. إلا أن صلب الاعتراض يومئذ كان نابعاً من التشكيك بنجاعة هذا المنحى وجدواه، بل كما يتبين في زمن لاحق، من حاجة لدى قيادة هذا التنظيم للمحافظة على علاقة منتجة مع إيران (وهو ما حدث بالفعل، بغضّ النظر عمّا أصاب العراقيين الشيعة من مقاتل).

“قاعدة” العراق لم تعبأ للتحفظات، واندفعت إلى اقتراف جرائم شنيعة تستهدف أعداد العراقيين الشيعة، في شعائرهم، في أسواقهم، في منازلهم. في عامتهم، وفي قياداتهم. الحصيلة كانت حمامات دم، والمزيد من الأشلاء المنثورة على مساحة العراق الجريح. ما أثار بالفعل المنظمات المسلحة والتي تندرج تحت لواء التشيع، وبعضها لم يكن يتلمس الأعذار ابتداءاً للشروع بالقباحة بحق العراقيين السنة، في إطار رؤية اختزالية تجعل من عموم هؤلاء “صداميين” أو “بعثيين” أو “أتباع يزيد”.

ما اعترض المسعى القاتل المتوشح بالثأر هو كلام افتاء ورأي ومبدأ صادر عن هذا المرجع الأول والأبرز، السيد علي السيستاني، محرماً أن يكون الرد على القتل الحرام بالقتل الحرام.

“لا نطالبه بأن يفتي بوجوب قتل النواصب أو حتى جوازه. ليته فقط يصمت عن الموضوع، ولا يجعله حراماً”. كلام منقول حرفياً أو يكاد من منتسبين إلى الفصائل “الشيعية” المتحفزة للانتقام، إذ تشهد المجازر الغادرة في بيئتها. ولكن السيد السيستاني لم يصمت، بل طالب وأصرّ. رغم الألم، رغم الأذى، رغم الوجع. البريء لا يُقتل لشفاء الغليل لمقتل البريء.

لا يمكن تبين أعداد الناس الذين أنقذهم موقف السيستاني. رجل وقور ضعيف البنية في غرفة متواضعة في النجف، لجم بفعل رأيه أفعال قتل على مدى العراق. عشرات الآلاف بالتأكيد. ربما مئات الآلاف.

على أن نظرية التوحش القاعدية كانت أقوى من رجل الخير هذا. إذ هي أدركت أن الرموز أغلى من الناس. السيد السيستاني كان قادراً بشق النفس على الوقوف بوجه من أراد الإمعان بقتل العراقيين السنة، من الفصائل الشيعية، يوم كان المعتدى عليه لحماً ودماً. أما عندما نجح تنظيم القاعدة بتدمير الحجر في سامراء، فإنه أطاح أيضاً بفتوى السيستاني وقدرته على منع القتل، فالتهمت الفصائل، بعد طول “حرمان”، ما كانت قد أُلزمت عصمته من النفس البشرية.

يريد البعض أن يرى في تحريم السيستاني للقتل الثأري حساب مصلحة وحسب. الأكثرية العددية في العراق شيعية، والنظام السياسي القائم على حكم الأكثرية هو تلقائياً لمصلحة “الشيعة”. فالمحافظة على هذا النظام ومنع انهياره ليس من باب الالتزام بالقيم العالمية، بل لضمان الصالح الشيعي. ليس في هذه الشبهة انتقاص من موقف السيستاني، بل هي، إن تجاوزت الوهم، دليل انسجام المنظومة المبدئية التي يدعو إليها هذا المرجع، في عمقها الأكثر خطورة، أي العمق السياسي، مع القيم العالمية.

نعم، ثمة إشكالية بأن تكون نسبة غير ضئيلة من العراقيين الشيعة تصوّت في الانتخابات النيابية وفي الاستفتاءات الدستورية ليس من دافع الحس الوطني، بل بناءاً على “تكليف شرعي” من الإمام المرجع.

ولكن الواقع هو أن التدمير الممنهج للحس الوطني في مرحلة الطغيان، ثم التفريط بمفهوم المواطنة ضمن نظام المحاصصة والنهب في العراق الجديد، قد دفع الوعي السياسي الوطني باتجاه الضمور، لمصلحة الهويات الفئوية والطائفية، وإن كان الجيل الجديد يبدي تحدياً جاداً لهذا الواقع. في المقابل على أي حال، فإن التزام السيد السيستاني بالقيم المتماهية مع القيم العالمية، مهما كان مصدرها المبدئي، هو تأسيس لتحوّل على المجتمع العراقي أن يحققه ذاتياً، لا أن يمسك بيده مسؤول فوقي لتحقيقه، باتجاه سيادة المواطن ضمن الإطار الدستوري الجامع.

ومن هنا تتجلى القيمة في كلام السيستاني مع البابا خلال زيارته الأخيرة. السيستاني لم ينظّر، ولم يتحدث لا عن ولاية ولا عن وصاية للدين وشخصياته إزاء النظم السياسية. بل أفاد عن قناعة بأنه للمرجعيات الدينية دوراً أخلاقياً وحسب لحث الدول على تحقيق العدل. وهو، إذ أكد اهتمامه بأن “يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية”، فأنه لم يضعهم تحت أية مظلة مختلفة عن غيرهم، بل الدستور الوطني هو المرجعية العليا، التي تنص على الحقوق وتشير إلى سبل صونها.

وإذا كان سياسيون عراقيون كثر، شيعة بالتأكيد ولكن من مختلف أطياف العراق، يحجّون لدار السيستاني تعزيزاً لموقعهم السياسي، فإن علي السيستاني، المرجع الإمام، يستمد شرعيته الدينية من تراث فكري وأصولي ضارب في عمق التاريخ، فيما علي السيستاني، المواطن العراقي، يرى ويصرّح بأن الشرعية الوطنية ملاذها ومرجعها هو الدستور.

السيد السيستاني، إماماً ومواطناً، دام ظلّه، بصدق.

المصدر: موقع الحرة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here