خاص- نفحة عطرة من سيرة الإمام الكاظم (ع) في ذكرى استشهاده

288

خاص شفقنا- بيروت-
يصادف في الـ 25 من شهر رجب ذكرى شهادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، وفي هذه المناسبة الحزينة لفت فضيلة الشيخ حسين نجدي، في حديث خاص مع وكالة “شفقنا”، إلى أنّه على مستوى الأخلاق والإيمان والتقوى والعلم لا تختلف شخصية الإمام الكاظم (ع) عن بقية أئمة أهل البيت (ع)، فكلّهم أفضل وأعبد وأعلم وأشجع أهل عصر زمانهم، إذ نعتقد أنّ كل إمام من هؤلاء الأئمة يمثّل في عصره وزمانه النبي محمد (ص)، وقد أشار إمامنا الباقر (ع) إلى هذه الحقيقة بقوله “أوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد وكلّنا محمّد”.

وأضاف الشيخ نجدي: “نلاحظ كثرة ألقاب الإمام (ع) من لقب الكاظم إلى لقب العبد الصالح إلى باب الحوائج إلى راهب بني هاشم، وكل لقب من هذه الألقاب يعبّر عن جانب من جوانب العظمة في شخصية هذا الإمام وكلّها منتزعة من سيرته الكريمة، على عكس ما كان عليه الخلفاء في عصره وزمانه حيث كان الواحد منهم يلقّب نفسه بألقاب هي أبعد ما يكون عن سيرته وحقيقته، بينما ألقاب الإمام الكاظم (ع) هي تجسيد لما كان عليه من صفات كريمة ومزايا حميدة”.

وتابع: “مثلا لقب بالكاظم لما اشتهر فيه من كظمه للغيظ وحبسه لغضبه ومقابلته للسيئة بالحسنة، وقصته مع الرجل المعروف بالعمري هي أدلّ دليل على ما كان عليه (ع) من رحابة صدر وحلم وعفو، وكذلك الأمر بالنسبة للقب باب الحوائج، إذ لقّبه الناس به لكثرة ما لمسوه من استجابة للأدعية ومن قضاء للحوائج ومن شفاء للمرضى عند قبره المعظّم، وهذا الأمر ليس خاصا بالشيعة، فالإمام الشافعي يقول: “قبر موسى بن جعفر الترياق المجرّب”، وأبو علي الخلّال أحد أئمة الحنابلة كان يقول: “ما أهمّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر إلّا وفرّج الله عنّي وقضى حاجتي”، أمّا لقب راهب بني هاشم فقد لقّبه به عدوّه الخليفة العباسي هارون الذي أشرف ذات يوم على السجن الذي كان محبوسا فيه الإمام (ع) فرأى ثوبا أسودا مطروح، فسأل: “ما هذا الثوب؟” فأجابه وزيره: “يا أمير هذا ليس ثوبا هذا ابن عمّك موسى بن جعفر وله كل يوم سجدة من طلوع الشمس إلى زوالها”، فانبهر هارون وقال: “ألا إنّه حقّا من رهبان بني هاشم”.

أُبعد الإمام الكاظم (ع) عن شيعته:

ولفت الشيخ نجدي إلى أنّ الإمام الكاظم (ع) ذاق الأمرّين من طاغية عصره الخليفة العباسي هارون الذي كان يحرص على منع التواصل بين الإمام (ع) وقواعده الشعبية، لأنّه أدرك ما يمثّله الإمام (ع) من خطر عليه وعلى ملكه وسلطانه، ولذلك حرص على أن يبعد الإمام (ع) عن التواصل مع شيعته، فقضى (ع) شطرا كبيرا من حياته محبوسا في سجون تحت الأرض ينقل من سجن إلى آخر بحيث لا يعرف في تلك السجون الليل من النهار، ومع ذلك كان صابرا محتسبا، يشكر الله تعالى على نعمة السجن ويقول: “اللهم كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك وقد فعلت ذلك فلك الحمد”، استطاع الإمام (ع) في أحلك الظروف وأصعب الأوقات أن ينشر دين جدّه النبي (ص) وأن يدعوا الناس إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وطبّق ذلك عمليّا من خلال تلك الأخلاق الكريمة التي كان عليها وذكرناها سابقا”.

ردود الإمام الكاظم (ع) الحكيمة وسبب حقد الطاغية هارون عليه:

وأشار الشيخ نجدي إلى أنّ الأمر عندما كان يستلزم ردّا كان الإمام (ع) يقوم بذلك على أحسن وجه، فكان يمتاز بالردود المسكتة والأجوبة المفحمة، وممّا يروى في هذا الشأن: “أنّ الإمام (ع) أراد الدخول على هارون، وكان يؤذن له بذلك بدون أن يقف مع بقية الناس، صادف وجود رجل يدعى نفيع الأنصاري ينتظر الدخول على الخليفة وكان قد طال انتظاره فسأل: “من هذا الذي دخل ونحن ننتظر منذ ساعات؟” فقيل له: “هذا إمام الرافضة موسى بن جعفر”، فقال: “ما أجهل بني العباس يكرّمون رجلا يقدر أن يزيلهم عن مراتبهم، أما والله لإن خرج لأسوأنّه بالقول”، فلمّا خرج الإمام (ع) وإذا به يدنو من دابة الإمام (ع) ويمسك باللّجام ويقول للإمام بكل وقاحة: “من أنت؟”، فقال له الإمام (ع): “يا هذا إن كنت تسأل عن النسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن اسماعيل ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله، وإن كنت تسأل عن البلد فهي التي فرض الله عليك وعلى المسلمين إن كنت منهم الحجّ إليه، وإن كنت تسأل عن العشيرة فهي التي كان يهبط في بيوتها جبرائيل، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفّاء لهم حتى قالوا يا محمد أخرج إلينا أكفّاءنا من قريش، وإن كنت تريد الصيت والإسم فنحن الذين أمر الله بالصلاة علينا في الصلوات والفرائض”، فترك اللّجام ويده ترتعد وقيل له: “ألم نقل لك ألّا تتعرّض له”.

وأضاف الشيخ نجدي بهذا الخصوص أيضا: “هناك مثلا عندما حجّ هارون وأراد زيارة قبر النبي (ص) في المدينة وكان معه الإمام الكاظم (ع) فوقف أمام ضريح النبي (ص) وصاح: “السلام عليك يا ابن العم يا رسول الله”، ليتفاخر على من حوله، وإذا بالإمام (ع) مباشرة يلتفت إلى قبر النبي (ص) ويقول: “السلام عليك يا ابتاه يا رسول الله”، فذهل هارون وقال: “كيف جوّزتم لأنفسكم أن تنتسبوا إلى رسول الله وأنتم أولاد بنته؟”، فقال له الإمام الكاظم (ع): “لو فرضنا أن رسول الله نشر حيّا وخطب إليه كريمتك أكنت تزوّجه؟”، قال: “بلى يا سبحان الله أفعل وأفتخر بذلك على العرب والعجم”، قال (ع): “أمّا أنا فلا يخطب مني ولا أزوّجه”، قال: “لم؟”، قال: “لأنه ولدنا ولم يلدكم”، قال: “هذا هو الفخر حقّا يا أبا الحسن”، وبسبب ذلك حقد هارون على الإمام (ع) فكان أن أودعه ظلمات السجون إلى أن قضى نحبه في مثل هذه الأيام، في الـ 25 من شهر رجب شهيدا مظلوما، وأخرجت جنازته من السجن يحملها أربعة من الحمّالين ووضعت على جسر بغداد، ونادى عليها مناد “هذه جنازة إمام الرافضة موسى بن جعفر الذي مات حتف أنفه”، وكأنهم بذلك يريدون إبعاد التهمة عن أنفسهم بقتل الإمام (ع) إلى أن جاء عم هارون وأمر بتشييع الجنازة كما يليق بعظمة الإمام موسى بن جعفر (ع)”.

وفاء حريري – شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.