المبعث النبويّ: قصيدة للشاعر الشيخ عبدالله الخاقاني

260

شفقنا- بيروت-
مِفتاحُ كلِّ المُعْضلاتِ بِبَسْمَلَةْ
وبنقطةِ الباءِ الحقيقةُ مُذهلَةْ

وببعثةِ الهادي الرسالةُ لمْ تزلْ
مِنْ عَهْدِ آدمَ بالسَّنا متَسَلْسِلَةْ

هِيَ آخِرُ البِعْثاتِ بِعْثةُ أحمدٍ
وبِها أخيرُ الهَدْيِ أصبحَ أوَّلَهْ

وّلَها مِن القرآنِ وحيٌ غامرٌ
يَتَكثَّفُ المعنى بِهِ كي يُجْمِلَهْ

وتَسيلُ مِن كلِّ الجهاتِ أشعَّةٌ
مِنْهُ لكي تلجَ النُّفوسَ المُقْفَلَةْ

نورٌ سماويٌّ يُطلُّ على المدى
والأرضُ مِن ظمأ الهدايةِ مُمْحِلَةْ

——

قُمْ ياابْنَ عبدِاللهِ صُبحُكَ قادِمٌ
في الأُفْقِ يُوقدُ للقداسَةِ مَشعَلَهْ

إقرأْ بعينِ الرُّوحِ كلَّ حقيقةٍ
أَمستْ على لَوْحِ الوجودِ مُمَثَّلَةْ

فلقدْ تكشَّفَت السَّماءُ لقلبِكَ الـ
ـأَنْقى وصارَ الوَحْيُ يَنفثُ مِقْوَلَهْ

إقرأْ فلا أحدٌ سواكَ سَيقرأُ الـ
ـآياتِ إذْ نَزلتْ عليكَ مُفصَّلَةْ

يامَنْ تَدَثَّرَ والضِّياءُ دثارُهُ
اِخْلَعْ رداءَ دُناً هجرتَ لِتغسلَهْ

قُمْ أَنذرْ الدنيا لِيَتَّسِعَ النَّهارُ
وترحلَ الظلماتُ نحوَ المقصلَةْ

ظَمأى نفوسُ العاشقينَ امْلأْ لَها
كأْساً مِن الفكرِ الوَضيئِ لِتَنهلَهْ

إِمْنَحْ لها أَسماءَها وأَقِمْ لها
في كلِّ مُنعطَف ٍ لِشمسِكَ مِزْوَلَةْ

خذْها إليكَ الأرضَ واغْرسْ للشَّذى
في كلِّ شبرٍ مِن مَداها سُنبلةْ

اَلمَبْعَثُ النَّبَوِيُّ بِعْثَةُ أَنْفُسٍ
بِسَلاسلِ الليلِ البَهيمِ مكبَّلَةْ

هامتْ بصحراءِ الضَّلالِ وراعَها
أَنَّ الرزايا حولها متجحفلةْ

كلُّ الذي فيها فراغٌ موحشٌ
مِلؤُ المحاجرِ والعقولُ مُعطَّلَةْ

أصنامُها عُبِدَتْ لعلَّ صريخَها
يوماً سيرجعُ والأَكفُّ مُحَمَّلَةْ

حَجَرٌ على حَجَرٍ ويمثلُ شاخصاً
صنمٌ له بين القبائل جلجَلَةْ

هيَ لاتَعي الا بأنَّ صنيعَها
ربٌّ لِتعبدَهُ وحيناً تَأْكلَهْ

حتّى اذا يئس المخاض وأمحلتْ
عادت بأسمالِ الأسى مُتَسربِلَةْ

——

اَلمبعثُ النبويّ شمس تَحَرُّرٍ
كبرى بضوءِ الأُمنياتِ مُكلَّلةْ

والسيفُ والسلطان فكرةُ عابثٍ
قَدْ أَبدلَ الوعْظَ الرقيقَ بقنبلَةْ

اَلدينُ رُؤْيَةُ عاشقٍ متأمِّلٍ
رفضَ انْزلاقَ الفكرِ نحوَ المهزلَةْ

الوَرْدُ مثلُ الوَرْدِ حيثُ لَمَحْتَهُ
فَاحْذرْ تُأَوِّلْ عطرَهُ كَيْ تقتلَهْ

اَلمبعثُ النبويُّ رحلةُ عاشقٍ
قدماهُ في حقلِ الغرامِ مُهروِلَةْ

لازالَ يُسقطُ عَن حقيقةِ سرِّهِ
حُجُباً بها شمسُ النُّهى مُتجلِّلَةْ

فتعجّ بالإشراقِ نقطةُ ضوئِهِ
وتفيضُ عنه رؤىً تعيدُ تسلسلَهْ

فيعانق الضوءُ الضِلالَ حَفاوةً
وتشيرُ نَحْوَ النُّورِ منْهُ البَوْصَلَةْ

——

ولَربَّما نحتاجُ صَحْوَةٍ مَبعثٍ
أُخرى تُغيرُ على النًّفوسِ مُزلزِلَةْ

فالماءُ مذبوحُ الضِّفافِ وعشبُهُ
ظامٍ وآمال الربيع مولولة

والعابثونَ هُمُ الذين تَقَمَّصوا
دَوْرَ السَّماءِ بِنَزعةٍ متطفِّلَةْ

فوراءَ كلِّ ضحىً لِفِكرٍ لاحبٍ
ليلٌ بِحقدٍ منْهُ يشحذُ مِعْوَلَهْ

مُتَرَصِّداً ضوءَ الحياةِ بِظلمةٍ
مِن كلِّ نَفْثَةِ عابرِ مُتَسوِّلةْ

نحتاجُ مَبعثَكَ المُنيرَ يُطلُّ ثانيةً
لِنقتلعَ المتاهَ وكلكلَهْ

ولقدْ يعودُ غداً ضُحاكَ فيَنْمحي
وجهُ الظلامِ وتَستفيقُ قرنفلَةْ

———

وأنا هناكَ هنا أُواصلُ رحلتي
صَمْتاً ومِنْ عينيَّ تهطلُ أسئِلَةْ

فبأيِّ فانوسٍ سأكتشفُ المَدى
اَلريحُ تعصفُ والطريقُ مُضلِّلَةْ

أَمشي وتُرْبِكُني خُطايَ مُحاولاً
أنْ أُمسكَ الأملَ الشَّرودَ لِأُكمِلَهْ

وأنامُ محتشِدَ الأماني عَلَّني
أَصحو وخَيْطُ البؤسِ غادرَ مِغْزَلَهْ

فأرى انْشطارَ الغيمِ فوقَ يَتيمةٍ
تَعدو وتتبعُها عباءةُ أَرمَلَةْ

في مُقلتَيْها ظلُّ حُلْمٍ باهِتِ الـ
ـأَلوانِ يُخفي بالدُّخانِ تَمَلْمُلَهْ

دمعٌ على دمعٍ يجفُّ فَتَختفي
أَقواسُ عشقٍ بالأحبَّةِ مُوصِلَةْ

فاذا الرمادُ بكلِّ نافذةٍ لَهُ
عَصْفٌ.. وغصَّتْ بالمَراودِ مَكْحَلَةْ

——-

وأُعيدُ تَكرارَ السُّؤالِ ولَم أجِدْ
إلّا إجاباتٍ تلوحُ مؤجَّلَةْ

عن دهشتي بيْنَ المرايا كلّما
أَبصرْتُها لاحَتْ مآسٍ مُقبِلَةْ

عنْ صوتِ قرآنٍ يَسيلُ مُدَوِّياً
ورؤاهُ حتى الآنَ غيرُ مُفَعَّلَةْ

عن حلميَ الأقصى بأنَّ سحابةً
لابدَّ تأتي الحقلَ تُرضعُ جدوَلَهْ

فيعود للنفسِ الغريقةِ بالأسى
إنسانُها فإذا الضُّحى ما أَجملَهْ

وأعودُ للقرآنِ أنهلُ ماءَهُ
عذباً فتغمرني المعاني المُرسَلَةْ

فكأنني أَتلوهُ أوّلَ مَرَّةٍ
والعشقُ يَصرعُني هوىً لأقبِّلَهْ

وأعودُ ثانيةً وأمسحُ مِنْ على
صفحاتِهِ كلَّ الشُّروحِ المُخجِلَةْ

وأُزيحُ مِن بينِ الحروفِ وَساوساً
حامَتْ بِمعناهُ البَهيِّ لِتبدِلَهْ

فأراهُ تُشرقُ في دمي آياتُهُ
وأمدُّ طَرْفَ الرُّوحِ كي أتأمَّلَهْ

هُوَ زاديَ الأنقى هُوِيَّةُ خافقي الـ
ـأُولى وغِبطةُ روحيَ المتأصِّلَةْ

اَلمبعث النَّبَويُّ رحلةُ أنفسٍ
ظَمأى بأعماقِ الحقيقةِ موغِلَةْ

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.