خاص- في ذكرى شهادته، الإمام الجواد (ع) ناظر الكبار رغم صغر سنّه

85
سماحة الشيخ أمين ترمس

خاص شفقنا- بيروت-
تقام منذ أيام مجالس العزاء في لبنان والعالم الإسلامي، لمناسبة ذكرى شهادة الإمام التاسع من أئمة أهل البيت (ع) الإمام محمد بن علي الجواد (ع)، والذي يصادف في آخر شهر ذي القعدة، وكان قد نظّم الصحن الكاظمي الشريف في بغداد مجالس التأبين إحياء لهذه الذكرى الأليمة، وسط إقبال حاشد من جموع المؤمنين المحبين لآل البيت (ع).

وكالة “شفقنا” تحدّثت مع سماحة الشيخ أمين ترمس عن عظمة هذا الإمام (ع)، فقال أنّ الإمام الجواد (ع) عاش 25 سنة وهو من أقصر أعمار الائمة (ع)، وكانت حياته على قصرها مليئة بالأحداث والمحطات التي ينبغي التوقّف عندها، الإمام (ع) واجه في ذلك العصر مشكلة الذين اتخذوا مذاهب منحرفة، فكان في عصره مجموعة من الأشخاص الذين عرفوا بالواقفة، والغلاة والمجسّمة، وكانت لهم أقوال وآراء تختلف عن آراء مدرسة أهل البيت (ع)، كانوا يدعون إلى اعتناق مذاهبهم وفرقهم، وفي نفس الوقت كانوا يسعون لتشويه خط الإسلام الصحيح وخط أهل البيت (ع)، فتصدّى لهم الإمام (ع) بالحوار والنقاشات والمناظرات في المجالس، ودافع عن دين جّده (ص) أمام تلك الدعوات والشبهات العقائدية في أوساط المسلمين، وفي نهاية المطاف كانت دائما تتكلّل تلك المجالس بغلبة الإمام (ع) على صغر سنّه، ففضحهم على الملأ وأمر بمقاطعة مجالسهم لخطورة معتقداتهم.

وتابع الشيخ ترمس: “من الأمور التي يشار إليها مواجهته (ع) للفرق الضالة، كان يبطل دعوتهم بالاعتماد على ما ثبت من سنة رسول الله (ع) واستدلاله من الآيات الشريفة، لذا كان هؤلاء يحسدون الإمام (ع) على علمه، وكانوا عاجزين عن الوقوف أمامه بالأدلة والبراهين، فحرّضوا على قتله وسعوا إلى ذلك، علما أنّ المأمون زوّجه ابنته ليدفع عن نفسه شبهة بغضه لأبيه الإمام الرضا (ع) ولأهل البيت (ع)، وليبقى الإمام تحت رقابته عبر وجود ابنته في بيت الإمام، فكانت تنقل له الأخبار لمعرفة أصحاب الإمام وأخباره واستعداداته”.

أمثلة عن عظمة الإمام محمد الجواد (ع) بين كبار عصره:

وأعطى الشيخ ترمس أمثلة على غلبة الإمام (ع) لكبار علماء عصره فقال: “في مجلس المأمون كان هناك مناظرة بينه وبين أكبر علماء ذلك العصر في البلاط العباسي وهو القاضي يحيى بن أكثم، سأل يحيى الإمام (ع): “ماذا تقول في محرم قتل صيدًا؟”، الإمام (ع) شقّق وفرّع لهذا السؤال أكثر من ثلاثين فرع بحيث أذهل وذهل كل من كان في المجلس، وعلموا فيما بعد أن علم الإمام (ع) ليس كعلوم الآخرين، فعلوم الناس من العلوم الاكتسابية التي يتعلمونها من متعلّم، أمّا علوم أهل البيت فكانت عن آبائهم عن جدّهم (ص)”.

وأضاف: “أيضا في زمن المعتصم العباسي اختلف علماء بغداد في مقدار الذي يقطع من يد السارق، فجمع العلماء وكان الإمام (ع) بينهم، أصرّ المعتصم أن يكون الإمام (ع) بين هؤلاء ليطّلع على رأيه، البعض استدل أنها تقطع من المرفق، مستدلا بالآية الكريمة “فاغسلوا وجوهكم أيديكم إلى المرافق”، وبعضهم قال: لا تقطع من الكف بالمقدار الذي يتيمّم به، واستدلوا بآية “فامسحوا بوجوهكم وأيديكم”، الإمام (ع) لم يعجبه هذا الكلام وكان صامتا، التفت المعتصم إليه وسأله: “ما تقول يا أبا جعفر؟”، قال (ع): “قال القوم ما سمعت”، قال المعتصم: “لا بد أن أسمع ما تقول أنت”، فقال (ع): “إنّ يد السارق تقطع من حدود الأصابع ويترك الكف”، فسئل ما الدليل؟، قال (ع): “قوله تعالى “ان المساجد لله فلا تدعو مع الله أحد”، إذا قطعت يده على أي عضو سيسجد؟”، فأعجب المعتصم وبعض المنصفين من الحاضرين بجواب الإمام (ع)، وتم قطع السارق بهذا المقدار”.

“وقف (ع) أمام مشاريع المعتصم الفاسدة”:

ولفت الشيخ ترمس إلى أنّ الإمام محمد بن علي (ع) عرف بأسماء متعدّدة، واشتهر بألقاب كثيرة منها “الجواد” لكثرة جوده بين الناس، كان يعطي القريب والبعيد، لم يبخل على أحد من المحتاجين الذين كانوا يقصدونه، واشتهر بـ”باب المراد” بسبب كثرة ما استجيب وقضي من الحاجات والدعوات التي كان يدعو بها المؤمنون إلى الله سبحانه وتعالى في حرم ضريحه الشريف، ودفن (ع) في مقابر قريش إلى جانب جدّه موسى بن جعفر الكاظم (ع) في بغداد، كما ذكر الشيخ ترمس أبيات لأحد الشعراء في تفسير “الجواد” و”باب المراد”:

طُـفْ بالجـوادِ مُقـبّلاً أعتــابَهُ
واطرُقْ بدمعاتِ الحوائجِ بابَهُ

وقل السلامُ على الذي ما سائلٌ
يدعــوهُ إلا بالمُــرادِ أجابَـــهُ

من كالجوادِ إذا مشى بسكينةٍ
يحني الوجودُ لكي يشُمَّ تُرابَهُ

من كالجوادِ إذا الجفافُ أصابنا
بالجودُ يعصرُ للحياةِ سحابَهُ

من فرطِ هيبتهِ المماتُ لهُ انحنى
خجلاً..أيَدفنُ في التراب شبابه؟!

وعندما وصل بالحاكم العباسي المعتصم لمرحلة لم يعد يتحمّل وجود الإمام الجواد (ع) وطريقة دعوته لدين الإسلام الحقّ، ورأى أنّ الإمام (ع) واقف أمام مشاريعه المليئة بالظلم والجور والفساد، قام بدسّ السم له حيث استشهد (ع) في آخر شهر ذي القعدة سنة 220ه.

وفاء حريري – شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.