خاص- ثورة الإمام الحسين (ع) خلود وتصحيح للمسار الإنساني

234
المفتي الشيخ يوسف رغدا

خاص شفقنا- بيروت-
لمعركة كربلاء فلسفة خاصة احتار فيها العلماء، فهي لم تكن مجرد معركة عابرة في التاريخ، بل كان لها ظروف وبيئة مهّدت لحصولها، وبعد وقوعها ظلّت خالدة وممتدة للأجيال اللاحقة، وهي المعركة الوحيدة التي حصلت دون أي مصالح شخصية ومادية ودنيوية، بل كل ما حدث فيها كان حبّا وقربة إلى الله تعالى.

المفتي الشيخ يوسف رغدا أكّد في حديث خاص لوكالة “شفقنا”، أنّ حادثة الطف وثورة سيد الشهداء (ع) حدث استثنائي في التاريخ في مبادئه ونتائجه وشموليته واستمراره في كل العصور، لأنّ واقعة الطف ليست تاريخا فحسب، وإنّما قضية حياة وإنسان ومظلومية، لأن سيد الشهداء (ع) خرج عن الدائرة الضيقة والصغيرة، خرج من دائرة الشخص إلى دائرة أوسع شمولا من العشيرة والقبيلة والقومية والوطن، إلى دائرة الإنسان والمظلوم وقضية العدالة والوقوف في وجه العالم، لذا كان لهذه الثورة سر الخلود والاستقطاب، لأنها متميّزة من حيث الهدف والمنطلق والمكان والزمان ومن معه من العناصر البشرية، الذين تميّزوا بالثبات والإخلاص والتضحية والشجاعة والبصيرة والصبر، فتجاوزت الحدود الجغرافية وأصبحت قضية الإنسان.

مراحل ثورة الإمام الحسين (ع):

ورأى سماحته أنّ هذه العوامل لها الدور الكبير في تخليد هذه الحادثة، وأنّ هذه الثورة منذ انطلاقتها مرّت بعدة مراحل، وهي كالتالي:

“المرحلة الأولى : الإعلام والانطلاق

ظهر ذلك من خلال الكلمات والخطب والبيانات التي أطلقها سيد الشهداء (ع) عندما تحرّك من المدينة إلى مكة، أو من خلال رسائله إلى أخيه محمد بن الحنفية أو من خلال خطاباته في مكة، شخّص الإمام (ع) الواقع الاجتماعي والديني الذي يعيشه الناس في تلك الفترة تشخيصا دقيقا، كان الناس بين ساكت وخائف ومقهور، ومخدّر في تلك الفترة بروايات مكذوبة نسبت إلى رسول الله (ص) زورا وبهتانا كحرمة الخروج عن الحاكم، فكان الإمام الحسين (ع) بين عدة خيارات: إما أن يبايع فتكون خيانة للأمة وإعطاءً للشرعية لرجل فاسق فاجر، ممّا يؤدّي إلى تدمير الإسلام من الداخل باسم الدين، وإمّا الهروب إلى جبال اليمن كما نصحه بعض المشفقين عليه، وإمّا المواجهة والقتال والاستشهاد وإيقاظ الأمة بعد تخديرها وقهرها وسلوكها، فاختار أن يكون الذبيح العظيم للإسلام وفداء له”.

وأضاف: “الإمام (ع) كان يعلم بما يقدم عليه وما يخطّط له، مشروعه مشروع استشهادي وأعلن عن ذلك منذ البداية، وأخبرهم أنّ هدف العدو إخراجه ليقتلوه، وهو الذي كتب لأخيه: “من الحسين بن علي إلى محمد بن الحنفية، ألا ومن كان باذلا فينا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا”، فاختار الشهادة مع مجموعة من المخلصين من الصحابة والتابعين المستميتين من أهل البصيرة، الذين رفضوا أن يتركوه وحيدا في كربلاء، وسجّلوا مواقف خلّدها التاريخ في قضية الإسلام والإنسان والمظلوم والوقوف في وجه الظالم”.

المرحلة الثانية: مرحلة الشهادة والجهاد

هذه المرحلة تجلّت فيها كل معاني التضحية والعطاء حيث قدمّ (ع) فيها كل شيء لله تعالى، لم يتنازل ولم يتراجع عندما فقد جميع أصحابه، لم يراهن ولم يفاوض، قدّم أخوته وأولاده وطفله الرضيع، كان بإمكان الإمام (ع) بعد أن استشهد من معه من الأصحاب ووصل الدور إلى أهله وأقاربه أن يفاوض ويساوم ويتراجع وينسحب، إلا أنّه ابن علي وفاطمة لم يفعل ذلك، وكان يبحث عن رضى الله وهو على رمضاء كربلاء مثخنا بالجراحات، وكان يرمق السماء بطرفه ويناجي ربه: “إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى”.

المرحلة الثالثة: الخطاب والإعلام

بعد هاتين المرحلتين انتقل الصراع من كربلاء إلى مرحلة صراع الإعلام والخطاب، كما كان لمعركة كربلاء أبطال، كذلك كان لهذه المرحلة قادة وأبطال، منهم الإمام زين العابدين (ع) والسيدة زينب (ع) وأم كلثوم وبنات الحسين (ع)، وكان لهذا الخطاب عدة محطات: المحطة الأولى: رحبة الكوفة، المحطة الثانية: في قصر الإمارة، المحطة الثالثة: في الشام.

في رحبة الكوفة: كان الخطاب الأول للسيدة زينب (ع) في جمهور الناس، بعد أن اجتمعوا بدافع الفضول والتفرج والغوغاء والشماتة، فخطبت فيهم بنت علي (ع) خطابا سجّلته ذاكرة التاريخ، كان كالحمم على رؤوس الظالمين، وكأنّ علي بن أبي طالب (ع) يخطب فيهم، وكانت كلماتها تنطلق من خلفيات قرآنية ومن وعي وفهم، ثم تحدّث الإمام زين العابدين (ع) فانقلب الناس على النظام وتعاطف الجمهور مع أهل البيت (ع).

في قصر الكوفة: نجد في مواجهة السيدة زينب (ع) وخطابها لابن زيادة رقة في العاطفة ووعيا لا حدود له وقوة في المواجهة، كانت جبلا واعيا رغم كل المصيبة والفجيعة لأنّ ما حصل في عين الله تعالى، فانقلب الناس على ابن زياد وخسر المعركة الإعلامية.

المحطة الأخيرة في الشام: استطاع الإمام زين العابدين (ع) أن يكشف زيف الحاكم وكشف الحقائق، وأنّهم ليسوا من الخوارج وأنّهم أبناء رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسين (ع)، فتأثّر به الناس حتى من الديانات غير الإسلامية”.

وفي الختام أشار سماحته إلى أنّه بعد كل ذلك بدأ دور الإمام زين العابدين (ع) بالدعوة الصامتة، وبعد هذه المراحل بدأت مرحلة جديدة وهي مرحلة الثأر، والثائرون هم ثلاثة: الأول هو الله عزّ وجلّ (يا ثار الله) – الثاني: الأمّة، كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والرافض للظلم هو ناصر للحسين (ع) وثائر لدمه – الثالث: حفيد الحسين (ع) الإمام المهدي (عج)، كما لفت سماحة المفتي إلى أنّ الثأر نوعان: ثأر شخصي يقوم به ولي دم المقتول ظلما – وثأر ديني رباني وهو الحق العام لله، والذي جعله هدفا للإمام المهدي (عج) لأنه تجمّعت فيه ظلامات الأنبياء والأئمة والمصلحون، إذ سيكون الثأر من كل أمّة سمعت بذلك فرضيت به، ومن خلال نشر الدين والإسلام وتحقيق العدالة على الأرض.

وفاء حريري – شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.