خاص- كيف ساهم العزاء بحفظ الثورة الكربلائية عبر الزمن؟

134

خاص شفقنا-بيروت-
لم تبرد حرارة الثورة الحسينية منذ واقعة كربلاء وحتى يومنا هذا، وساهم بذلك الدور الفاعل والمؤثر الذي لعبته الرويات والأبيات الشعرية والنعي إضافة إلى قصائد اللطم، التي وثقت مجتمعةً، هذه الثورة وقدمتها للتاريخ لحفظها وتوارثها من جيلٍ إلى جيل.
أبيات العزاء وقصائد اللطم والنعي حفظت النهضة الكربلائية
وفي هذا السياق أكّد قارئ العزاء سماحة الشيخ علي سليم في مقابلة خاصة لوكالة “شفقنا” أنّ “للشعر الحسيني الرثائي دور عظيم وكبير في إحياء ذكرى عاشوراء، وفي إيصال رسالةِ نهضة الإمام الحسين “ع”، وحفظ مبادئها وأهدفها التي من أجلها ثار إمامنا الحسين “ع”، ونهض وقام في مواجهة بني أمية، وتلك السلطة الغاشمة والظالمة والطاغية والفاسدة والمفسدة”.
ولفت الشيخ سليم إلى أنّ “مسألة الشعر تعتبر من أهم الوسائل والأساليب التي اعتمدها أهل البيت “ع”، في حفظ هذه السيرة وهذه النهضة، وهذه القضية الحسينية، حيث ظلت تتناقلها الأجيل جيلاً بعد جيل، وكان أئمتنا “ع” يستضيفون ويستقبلون الشعراء، ويطلبون منهم أنّ ينشدو لهم شعرًا بالإمام الحسين “ع”، وكذالك يستقبلوا المنشدين القراء الذين ينشدون الشعر، تارةً يستقبلون نفس الشاعر وينشدهم ما نظمه من شعرٍ في الإمام الحسين “ع”، وتارةً أخرى يستقبلون المنشد الذي يلقي شعر الشاعر ويقرأه بطريقةٍ فيها رقه وشجا وحزن”.
وأشار الشيخ سليم إلى أنّ “هناك رويات عديدة في هذا المقام، مثل الرواية التي وردت عن أبي هارون المكفوف، الذي كان معاصرًا للإمام الصادق “ع”، فيروي أنّه حضر عند الإمام الصادق “ع” في ذكرى عاشوراء، فطلب منه الإمام “ع” أنّ ينشده شعرًا بالحسين “ع” فأنشده قصيدة “أُمْرُرْ عَلَىْ جَدَثِ الحُسَيْنِ وُقُلْ لِأَعْظُمِهِ الزَّكِيَّةْ.. “، وهي قصيدة للسيد الحميري، فبكى الإمام الصادق “ع” ومن كان معه من الحاضرين، وكان الإمام “ع” حينها قد ضرب سترًا لنسائه وسمع صوت بكائهن من وراء الستار، ثم إنّ الإمام “ع” قال لأبي هارون من أنشد في الحسين عليه السلام شعرا فبكى وأبكى عشرة كتب لهم الجنة، ومن أنشد في الحسين عليه السلام شعرا فبكى وأبكى خمسة كتب لهم الجنة، ومن أنشد في الحسين عليه السلام شعرا فبكى وأبكى واحدا كتب لهما الجنة، ومن ذكر الحسين عليه السلام عنده فخرج من عينيه مقدار جناح ذبابة كان ثوابه على الله عز وجل ولم يرض له بدون الجنة”.
وتابع الشيخ سليم: “وفي روايةٍ أخرى مع إبن عمارةَ المنشد، أيضًا طلب منه الإمام الصادق “ع” أنّ ينشد له شعرًا في الإمام الحسين “ع” فأنشد له وبكى الإمام “ع”، وأنشده مرةً أخرى وأيضًا بكى الإمام “ع”، ثم قال له الإمام مثل ما قال لأبي هارون ولكن بزيادة، حيث قال له:” يا أبا عمارة من أنشد في الحسين بن علي عليه السلام فأبكى خمسين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين عليه السلام فأبكى أربعين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين عليه السلام فأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين عليه السلام فأبكى عشرين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين عليه السلام فأبكى عشرة فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فأبكى واحدا فله الجنة، ومن أنشد في الحسين عليه السلام شعرا فبكى فله الجنة، ومن أنشد في الحسين عليه السلام شعرا فتباكى فله الجنة” فما من أحد أنشد شعرًا بالإمام الحسين “ع” فبكى وأبكى “خمسين” فله الجنة ووصل لمن أبكى واحدًا، ثم قال من أنشد شعرًا في الإمام الحسين “ع” فتباكى فله الجنة، أي أنّه حتى لو لم يبكِ أحد وحتى لو لم يستطع هو أن يبكي فتباكى فأيضًا له بذلك أجر عظيم”.
وتابع الشيخ سليم: ” المنشدون والشعراء كانوا يتعرّضون للخطرٍ من قبل شيطاين وطوغيت زمانهم، فكان إنشاد ونظم الشعر في أهل البيت “ع” يعتبر من الأمور التي تهدد حياتهم بالخطر، ولذلك يحكى عن دعبل الخزاعي، الذي كان معاصرًا للإمام الرضا “ع”، والذي له قصديته التائية المشهورة “بَـكَـيتُ لِـرَسمِ الـدارِ مِـن عَـرَفاتِ …وَأَذرَيتُ دَمَـعَ الـعَينِ فـي الـوَجَناتِ..”، ومن جملة ما قال له الإمام “ع” ما زلت ناصرنا بيدك ولسانك”.
وأكّد الشيخ سليم أنّ “الشاعر لا يقتصر فقط على ذكر المصيبة وإنّ كانت المصيبة مفجعة وتؤثر وتحرك الوجدان، وتستدر الدمعة، لكن أيضًا كان الشاعر يبين المبادئ الأساسية لنهضة الإمام الحسين “ع”، وبالتالي كان أيضًا في بعض أشعاره يتصدى ويعترض على طواغيت وسلاطين زمانه، ودعبل كان له هجاء للمأمون، وبعضهم كان يقولون له: نعجب كيف تتجرأ على رجاء المأمون، فيجيبهم: “إني أحمل خشبتي من أربعين سنة، ولا أجد من يصلبني عليها”، فكان في حالةٍ من الخطر، ولكنه كان مستعدًا للمواجهة، وكل ذالك فداءً لأهل البيت “ع” ولإحياء أمرهم”.
ضرورة لتحديث الخطابة العاشورائية
وحول ضرورة تحديث الخطابة العاشورائية بما يتلائم مع مقتضيات العصر الذي نعيشه أشار الشيخ سليم إلى أنّ “الخطاب العاشورائي هو خطابٌ عابر للزمان وللمكان، لأن قضية الإمام الحسين “ع”، ونهضته الحسينية المباركة، لم تكن محصورةً بأشخاص محددين، أو في مكان أو زمان محددين، بل هي قضية صراع الحق ضد الباطل، والعدل ضد الظلم، والإصلاح ضد الفساد”، مضيفًا أنّ الإمام الحسين “ع” في نهضته هو وارثٌ للأنبياء والأولياء من آدم إلى نوحٍ وإبراهيم وموسى وعيسى وصولاً إلى خاتم النبيين محمد “ص”، وبالتالي فإنّ الخطاب العاشورائي والكربلائي لا بد أنّ يكون مناسبًا لكل زمانٍ ومكان.
ولفت الشيخ سليم إلى أنّه “في كل زمانٍ يكون فيه ظالمٌ لا بد أنّ يكون الخطاب العاشورائي موجها ضد هؤلاء الظالمين، وفي أي زمانٍ فيه مظلومٌ لا بد أن ينتصر الخطاب العاشورائي لهم، لأن إمامنا الحسين “ع” رسم لنا نهجاً وخطًا لمواجهة الظلم بالجهاد والدفاع، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبإنكار الفساد والطغيان، ولو أدى ذلك إلى بذل الدماء وتقديم الأبناء والأعزاء والأحبة”، مؤكّدًا أنّ “الإمام الحسين “ع” قدم تضحيات عظيمة من أجل هذه القضاية الإنسانية الكبيرة، ومن أجل حفظ الإسلام وشريعة رسول الله “ص”، والقيم الإنسانية السامية التي يسموا بها الإنسان في معارف الكمال”.
وأضاف: “الخطاب العاشورائي لا بد أنّ يكون مناسبًا لعصرنا الحالي، وأنّ يكون أيضاً ناظرًا إلى المستقبل المشرق والمزهر، الذي سوف يظهرُ فيه إمامنا المهدي المنتظر “عج”، ليطلب بثأر جده الحسين “ع”، وثارات المظلومين والمستضعفين، وكي يحطم عروش الظالمين والمستكبرين والطواغيت، وبالتالي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجورًا”.
وختم الشيخ سليم: “إذًا الخطاب الحسيني هو خطابٌ شاملٌ وواسع، لايمكن أن يحدد بالتاريخ أو بالماضي، ولا بد له أنّ يطون صالحًا لكل زمانٍ ومكان”.

مهدي سعاديشفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.