خاص – ما هي الأهداف الاستراتيجية التي حققتها ثورة كربلاء؟

187
سماحة الشيخ الدكتور مهدي الغروي

خاص شفقنا- بيروت-
هي كربلاء الثورة المباركة، التي حملت في طياتها أسمى وأرقى آيات التضحية، فخلّدها التاريخ معركةً انتصر فيها المغلوب ميدانيًا، على عكس الواقع والمنطق، فكان نصر الإمام الحسين “ع” على السيوف بدمه وإرثه وذكره، ليكون هذا الإرث ميراثًا تتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل.

وفي هذا السياق يقول سماحة الشيخ الدكتور مهدي الغروي أنّ شخصية الإمام الحسين “ع” هي مهمة جدًا “لعلها هي من أبرز من خلدتهم الإنسانية في جميع مراحل تاريخها، وهي من أروع من ظهر على صفحات التاريخ من العظماء والمصلحين الذين ساهموا في بناء الفكر الإنساني وتكوين الحضارة الاجتماعية، فالإمام الحسين “ع” كان من ألمع القادة المصلحين، الذي حققوا المُعجِزة على مسرح الحياة، وقادوا المسيرة الإنسانية نحو أهدافها وأعمالها، وهو بطبيعة الحال كان من أكثر المصلحين جهادًا وبذلًا وتضحيةً، وانطلق إلى ساحات الجهاد مع كوكبة من أهل بيته وأصحابه، مضحيًا بنفسه وبهم، من أجل أن يقيم حكم القرآن، وعدالة السماء الهادفة إلى تقويض الظلم وتدمير الجور، وإزالة الاستبداد وإقامة حكمٍ عادل يجد فيه الإنسان أمنه وكرامته ورخاءه، حسب ما تقتضيه عدالة السماء، فلذلك أصبح الإمام الحسين في جميع العصور والأجيال رمزًا للعدل ولجميع القيم الإنسانية”.

وتابع الشيخ الغروي: “حياة الإمام الحسين “ع” كانت وستبقى حيّةً وخالدةً إلى الأبد، لأنّها استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب، فالإمام “ع” لم ينشد في ثورته الخالدة أي مطمع سياسي، أو نفعًا ماديًا، وإنما استهدف المصلحة الاجتماعية وواقع الناس جميعًا، ليوفر لهم العدل السياسي والاجتماعي، وقد أعلن سلام الله عليه أهدافه المشرقة والواضحة بقوله: “إني لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر”، هذه هي المبادئ العليا التي أعلنها الإمام الحسين “ع”، التي خُلِدت معه، واستوعبت جميع جهات الأرض وأخذ الناس يقيمون لها الذكرى، مقتبسين منها الإيمان بالله ومقتبسين منها العِبر والعظاة التي تنفعهم في جميع ميادين حياتهم”.

ولفت الشيخ الغروي إلى أنّنا “لا نرى في تعريف الإسلام من هو أكثر عائدةً ولطفًا وفضلًا على الإسلام من الإمام الحسين “ع”، فهو الذي أنقذ الإسلام وجدّد هذا الدين العظيم، بعد أن أجهزت عليه السياسة الأموية، وتركته جريحًا على مفترق الطرق، تتحداه عوامل الانحلال والانهيار من الداخل والخارج”، مشيرًا إلى أنّ هذه العصابة الأموية حاولت “أن تُبعد الإسلام عن واقع الحياة، وأن تجمد طاقاته وتخمد نوره وتنتهك سننه، ولم يبق منه سوى شبحٍ خافتٍ، وظلٍ متهافتٍ، وقد أعلنت السلطة في منتدياتها العامة والخاصة حينها، وهنا المصيبة الكبرى، أنّه لا دين ولا إسلام ولا وحيٌ ولا كتاب منزل، وهذا ما ينقل عن يزيد ابن معاوية الذي قال “لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل”.

وأضاف: “نحن اليوم أمام حادثةٍ كبيرة، وظاهرةٍ من ظواهر النور والعظمة والعزة والكرامة، فالإمام الحسين “ع” رأى أنّ هذا الغزو الجاهلي، والثقافة الجاهلية التي اجتاحت العالم الإسلامي آنذاك، إلى جانب ما منيت به العقيدة الإسلامية من أخطار هائلة، تنذر بالردة الرجعية والانقلاب الشامل وتخلي المسلمين عن عقيدتهم ودينهم، ولذلك عندما وجد الإمام “ع” أن المسلمين مخدّرون بشكل فظيع، نتيجة أوبئة الخوف التي انتشرت فيهم، والسياسة الأموية التي كانت عجينة بالخيانة والغدر، فرأى نفسه أنّه المسؤول الوحيد أمام الله تعالى وأمام أجيال الأمة، أنّ يقف موقفًا أمام هذه الأوضاع، ففجر ثورته معلنًا ومستندًا إلى حديث جده رسول الله “ص” فقال: “أيها الناس، إنّ رسول الله “ص” قال من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لحُرم الله، ناكثًا عهده مخالفًا سنة رسول الله “ص”، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقًا على الله أن يدخله مدخله” ثم يضيف الإمام الحسين “ع”: “ألا إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وحلوا حرام الله وحرموا حلاله”، فكانت هذه هي العوامل والأسباب الخطيرة الأساسية التي حفزت الإمام “ع” على الاستنهاض والخروج على النظام القائم الذي خالف كتاب الله وسنة نبيه “ص”.

واعتبر الشيخ الغروي أنّ “هذه الحقبة التاريخية من تاريخ الإسلام التي عاش فيها الإمام الحسين “ع” حفلت بأحداث رهيبة، ومن أفجع تلك الأحداث وأخلدها، كارثة كربلاء، والتي هي أخطر كارثة في التاريخ الإنساني، وهي لا تزال قائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم، تثير في نفوسهم الحزن واللوعة، وهي لم تكن حادثة خطيرة وليدة المصادفة أو المفاجئة، وإنما جاءت نتيجةً حتمية لتلك الأحداث المفزعة التي أخمدت الوعي الإسلامي، وأماتت الشعور بالمسؤولية، وجعلت المسلمين أشباحًا مبهمةً، وأعصابًا رخوةً خاليةً من الحياة والإحساس، وقد سادت فيهم روح التخاذل والانهزام، ولم تعد فيهم أي روح من روح الإسلام وهديه”، مشيرًا إلى أنّ “أوضح شاهد ودليل على ذلك أنّ ابن بنت رسول الله “ص” وريحانته يقتل في وضح النهار، ويرفع رأسه على أطراف الرماح ويطاف به في الأقطار، ومعه عائلة رسول الله “ص” سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن، يتصفحها القريب والبعيد، فلم يثر ذلك حفيظة المسلمين، فيهبوا إلى الانتفاضة على حكم يزيد للثأر لابن بنت نبيهم “ص”، وهذه الكارثة لم تأتِ إلا بعد تخدير الأمة وتغيير سلوكها، وإصابتها بكثيرٍ من الأوبئة الأخلاقية والسلوكية، الناشئة من عدم تقريرها لمصيرها، في أدق الفترات الحاسمة”.

ولفت الشي الغروي إلى أنّه “لا نستطيع أنّ نلم إلمامًا واضحًا بقصة الإمام الحسين “ع”، وما جرى فيها من أحداث، من دون أنّ نكون قد درسنا الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في زمن الإمام الحسين “ع”، إنّ التاريخ الإسلامي بحاجة إلى أنّ يتحرر من تلك الظروف الصعبة التي عاشها المسلمون، ومع كل أسف، المؤرخون كانوا يضعون ويتصرفون تحت إلقاءات السلطة السياسية، فلذلك حفل التاريخ بكثيرٍ من الأمور الموبوءة التي تكلف أصحابها على وضعها، وقد شوهت واقعه بكثير من البعد عن الواقع”، مشيرًا إلى أنّ “تاريخ الإمام “ع” وحياة الأئمة “ع” تخطت حدود الزمان والمكان، وتمثلت فيها العبقرية الإنسانية التي تثير في نفس كل إنسان أسمى صور الإكبار والتقدير، فقد تجسد في سيرة الإمام الحسين “ع” ومقتله أروع موضوعٍ في تاريخ الإسلام كله، فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم من القيم الإسلامية والإنسانية، مثلما ظهر من الإمام “ع” على صعيد كربلاء، فقد ظهر منه من الصمود والثبات والإيمان بالله والرضا بقضائه والتسليم لأمره ما لم يشاهده الناس في جميع مراحل تاريخهم”.

وقال الشيخ الغروي: “هذا الإيمان الذي لا حد له، والطابع الخاص الذي امتاز به أهل بيته وأصحابه على بقية الشهداء، هؤلاء الشهداء الذي أخلصوا في دفاعهم لله، وأخلصوا في نضالهم للحق، ولم يكونوا مدفوعين بأي دافعٍ مادي، فالعباس “ع” كان من أقرب الناس للإمام الحسين “ع” وألصقهم به، لم يندفع بتضحيته الفذة بدافع الأخوة والرحم، وإنما أقدم على ذلك بدافع الإيمان والذب عن الإسلام، وقد أعلن سلام الله “ع” في رجزه الذي كان يهتف به في المعركة شعاره المعروف “والله إن قطعتم يميني إني أحامي أبدًا عن ديني وعن إمامٍ صادقٍ اليقين نجل النبي الطاهر الأمين”، هذه اعتبارات مهمة جدًا كانت من أجل الذب عن دين الله، والدفاع عن إمامٍ معصومٍ فرض الله سبحانه وتعالى طاعته وولاءه على جميع المسلمين”.

وأكّد الشيخ الغروي: “نحن في هذه الأيام نستذكر ما قام به الإمام الحسين “ع”، الذي رفع راية الإسلام عاليةً خفاقة، وحرر إرادة الأمة العربية والإسلامية، حيث كانت قبل واقعة كربلاء جثة هامدة لا حَراك فيها ولا وعي، وقد كُبّلت بقيود الحكم الأموي، ووضعت الحواجز والسدود في طريق حريتها وكرامتها، فحطم الإمام “ع” بثورته تلك القيود وحررها من جميع السلبيات، وقلب مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت سائدة فيها إلى مبادئ الثورة والنضال”، لافتًا إلى أنّ “ثورة أبي الأحرار “ع” تعتبر من أعظم الثورات التحررية في الأرض، فقد حملت مشعل النور والفكرـ وسجلت شرفًا للإسلام وشرفًا للإنسانية وأعطت الدروس المشرقة عن العقيدة التي لا تضعف والإيمان الذي لا يقهر، وستظل هذه الثورة مصدر عزٍ وفخرٍ وشرفٍ للمسلمين في جميع أجيالهم”.

وحول الأهداف الاستراتيجية التي حققتها ثورة الإمام الحسين “ع” قال الشيخ الغروي: “أهم شيء حققته الثورة الحسينية هي انتصاره للقضية الإسلامية، وهي أنّه أعاد للإسلام نضارته، وأزال عنه الخطر الجاثم عليه، وبذلك استطاع الإمام الحسين “ع” في ثورته هذه، أنّ يرسم للمسلمين صورةً واضحة، حيث أحيا الإسلام وفداه بدمه، وقد ألمح الإمام زين العابدين “ع” حينما سأله إبراهيم بن طلحة بن عبد الله فقال له من الغالب؟ فجاوب الإمام الحسين “ع”: “إذا دخل وقت الصلاة فأذن وأقم تعرف الغالب”، لقد كان الإمام الحسين “ع” هو المنتصر والغالب، لأنّه أعاد للإسلام حياته ونضارته، فكان هو المجدد، ولعل رسول الله “ص” عنى هذا الأمر بقوله: “حسين مني وأنا من حسين”، بمعنى أنّه لولا تضحية الإمام الحسين “ع”، لضاعت جميع جهود الرسول “ص”، وما جاء به من خير وبركة ورحمة للناس، فإن بني أمية حملوا معول الهدم على جميع المبادئ التي جاء بها هذا الدين، فأعلنوا الكفر والإلحاد، وساسوا الناس بسياسةٍ لا ظل فيها لحكم القرآن”.

وتابع: “من أهم ما أحرزه الإمام من انتصارات هي هزيمته للأمويين، فقد نسفت تضحيته جميع الأسس والقواعد التي أقامها معاوية، لتوطيد المُلك في آل بني سفيان، يقول بعض الكتاب إنّ ما بناه معاوية لابنه يزيد في أعوام هدمه الحسين “ع” في أيام، وأطاح الإمام “ع” في نهضته المباركة بتلك الرؤوس التي نفخها الكبر وأثقلها الغرور وأعماها الطيش، ويقول السيد مير علي الهندي، في كتاب مختصر تاريخ العرب، إنّ مذبحة كربلاء قد هزت العالم الإسلامي هزًا عنيفًا، مما ساعد على تقويض دعائم الدولة الأموية”، مشيرًا إلى أنّ الإمام “ع” استطاع أنّ يجرد الحكم الأموي من واقعهم المزيف، واستطاع أنّ يؤكّد على واقع الإسلام الحقيقي، والتركيز على العقيدة الإسلامية الشفافة الواضحة، التي يجب أن تكون راسخةً في نفوس المسلمين، وبالأخص لدى شيعة ومحبي أهل البيت “ع””.

ورأى الشيخ الغروي أنّ الإمام الحسين “ع” استطاع أيضًا أنّ “يوحد صفوف المسلمين، إذ إنّ تلك الدماء الزكية، وروح الولاء والإخلاص لأهل البيت “ع”، جعلت هذه الراية عالية وخفاقة، بالتالي استطاع الإمام “ع” بنهضته أنّ يعمل على تكوين الحس الاجتماعي، وخلق روح الثورة في النفوس، وتفجير المواهب، والعبقريات، وقد برزت طاقات هائلة من الأدب الرفيع في طليعة الأدب العالمي، رقةً وروعةً وجمالًا، وقد حفل أدب الثورة الحسينية بأروع ما حفل به الأدب السياسي في الإسلام، حيث فيه الإشادة بالعدالة الاجتماعية والقيم الإنسانية التي ناضل من أجلها الإمام الحسين “ع”، وفيها شجبُ الظلم ومقارعة الطغيان ومناهضة الغرور والطيش، وأهمها بعث المجتمع نحو العزة والإباء اقتداءً بالإمام الحسين “ع” سيد الأباة ورائد الكرامة الإنسانية، وهذه كانت من أهم الأهداف التي استطاع الإمام “ع” أنّ يحققها في ثورته المباركة”.

وأضاف الشيخ الغروي: “ومن أروع النتائج التي حققتها ثورة أبي الأحرار “ع”، هي المنابر الحسينية والمجالس، التي أصبحت منطلقًا لتوجيه الأمة وإرشادها، وذلك بما فيها من الوعظ والإرشاد، وعرض مأساة الإمام الحسين “ع”، التي هي من أروع الدروس وأثمنها بالتضحية في سبيل الحق والعدل”، مؤكّدًا أنّ “هذه المجالس والمنابر تعتبر من أهم المكاسب، ومن أروع المعطيات في ثورة أبي الشهداء “ع”، التي عملت على غرس النزعات الخيرة في النفوس، وإبعادها عن عوامل الشذوذ والانحراف، وتوجيهها الوجهة الصالحة، التي تتسم بالاستقامة وحسن السلوك، كما أنّها من المدارس السيّارة المنتشرة لنشر الإيمان بالله، وإذاعة القيم الإسلامية بين الناس، فعلى كل مسلمٍ ومؤمن أن يحيي هذه المجالس ليستمد منها العزيمة بمواجهة التحديات والأخطار الراهنة”.

مهدي سعادي – شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.