خاص – ما هو الدور الذي لعبه الإمام الجواد “ع” في ترسيخ مبادئ الاجتهاد والرد على الشبهات؟

724

خاص شفقنا-بيروت-
شكّلت حياة الإمام محمد الجواد (ع) محطة مفصلية في مسار الإمامة، رغم قِصر عمره الشريف، فقد واجه تحديات فكرية وعقائدية كبرى، وأدى دورًا أساسيًا في ترسيخ مبادئ الاجتهاد والرد على الشبهات، ما جعله هدفًا للسلطة العباسية التي رأت في مواقفه تهديدًا لشرعيتها ووجودها.

دور الإمام الجواد “ع” في ترسيخ مبادئ الاجتهاد

وفي هذا السياق قال الشيخ علي بحسون في حديث خاص لوكالة “شفقنا” أنّه “لا شك في أن العلوم التي كانت في صدور أهل البيت عليهم السلام كلها، تعود إلى العلم الذي أوحي به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من قبل الله سبحانه وتعالى، واستقر في صدره الشريف، ونحن نؤمن بذلك لأن حجة الله، ومن جميع الجهات، ولا بد أن تحتوي على العلوم كافة التي يحتاجها البشر، بحيث لا يكون في عالم الوجود أحد أعلم من حجة الله وأفقه منه، ومن أجل أن تكون حجة الله بالغة في كل العصور، فلا بد من إثبات الحجية للإمام المعصوم من الناحية العلمية، وهذه الناحية هي التي تضمن ترسيخ مفاهيم التوحيد والنبوة، لأن دور الإمامة يتمثل في تثبيت أركان التوحيد والنبوة”.

انتشار المسائل الكلامية
وأضاف: “في زمن الإمام الجواد عليه السلام، انتشرت المسائل الكلامية، واحتدّ الخلاف بين المسلمين حول قضية “كلام الله” تعالى، هل هو حادث أم قديم؟ فانقسم المسلمون إلى فرقتين، والمقصود بكلام الله هنا هو القرآن الكريم، فذهبت طوائف غير الشيعة الإمامية إلى القول بأنه قديم، في حين ذهب الشيعة الإمامية إلى القول بأنه حادث، ومن هنا نشأ علم الكلام، لأن معظم المسائل العقائدية انطلقت من هذه الإشكالية المعقّدة التي ظهرت في خلافة بني العباس”، مشيرًا إلى أنّ الإمام الجواد “ع” قد تصدى “للدفاع المستمر عن الحق، الذي يتمثل بأهل البيت عليهم السلام، وهو الاتجاه الذي يجب على المسلمين أن يتبعوه، ففي تلك الفترة، كان بعض العلماء يحاولون إثبات صحة ما لديهم من أفكار بأدلة لا تستند إلى القرآن الكريم أو إلى السنة النبوية المتواترة، وهنا وقف الإمام الجواد عليه السلام موقفًا حاسمًا، ليردّ تلك الآراء، حتى لا تستقر في نفوس المسلمين وتتغير عقيدتهم”.

وتابع الشيخ بحسون: “الإسلام، كما حصل مع الرسالات السماوية السابقة، تعرّض لهجمة شرسة من أعدائه، لكن الإسلام كونه خاتمة الرسالات، أراد الله سبحانه وتعالى أن يحفظه، فكان حفظه بأهل البيت عليهم السلام”، لافتًا إلى أنّ “المقصود بالاجتهاد في هذا السياق، ليس الاجتهاد الفقهي فحسب، وإن كان الإمام الجواد عليه السلام قد دافع عن فقه رسول الله صلى الله عليه وآله وشريعته، إلا أن الخطر الأكبر كان في الاجتهاد المرتبط بأصول الدين من الناحية العقدية”.

وقال: “لهذا، فإن الشيعة الإمامية يرون أنه لا يجوز التقليد في أصول الدين، وإنما يجوز فقط في فروع الدين، لأن أصول الدين لا تُبنى إلا على العلم واليقين. وهذا ما واجهه الإمام الجواد عليه السلام في زمن العباسيين، حيث ظهرت مدارس متعددة سببها الاجتهاد في أصول الدين، فكان موقف الإمام الجواد حاسمًا في بيان أن أصول الدين لا تخضع لآراء الناس، ولا لاجتهاداتهم، ولا لما تحمله من نزعات غرائزية أو عصبيات مذهبية”، مشيرًا إلى أن دوره كان “أن يوضح أن الدين لا يمكن أن يُبنى على مقاييس بشرية ورؤى فردية، بل لا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله، وبما يحمله الأئمة من علوم، لأن علمهم هو امتداد لعلم رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فرق”.

وأردف الشيخ بحسون: “فكما أن رسول الله كان حجة بين الله وعباده، فإن الأئمة عليهم السلام لهم نفس الدور، في نشر الدين والعلم بكافة أبعاده، فهم نور واحد، وعصمتهم واحدة، وحجّتهم واحدة، وإن تفاوتت المراتب بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين الأئمة، إلا أنهم جميعًا حجج الله على الخلق، وقد كان الإمام الجواد عليه السلام يجلس في المجالس التي يعقدها المأمون وغيره من خلفاء بني العباس، ليردّ على العلماء ويبيّن أن ما يحمله من علم هو نفسه ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله”.

استهداف الإمام من قبل السلطة
وفي معرض الإجابة عن سبب استهداف الإمام “ع” من قبل السلطة قال الشيخ بحسون إنّه “في الحقيقة، جميع الأئمة عليهم السلام كانوا مستهدفين من قبل السلطات الحاكمة آنذاك، فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام مستهدفًا من السلطة التي تأسست في سقيفة بني ساعدة، وقد واجهها وأثبت الحق بكل جوانبه، وكذلك الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، حتى وصلت المسألة إلى الإمام الجواد عليه السلام”، لافتًا إلى أنّه “عندما اشتدّ النزاع بين بني العباس وبني هاشم، لم يكن الصراع سياسيًا فحسب، بل كان صراعًا على السلطة الدينية، التي ثبتت بالنص لأهل البيت عليهم السلام، وبعد أن قضى العباسيون على بني أمية، لم يبقَ أمامهم إلا أهل البيت، الذين إذا ما توجه الناس إليهم وتعرّفوا إلى علومهم وقدراتهم الفريدة، فلن يُقبل الناس على بني العباس”.

وأضاف: “كان الإمام الجواد عليه السلام يشكل عائقًا حقيقيًا أمام تثبيت سلطة العباسيين، ولذلك استهدفته السلطة العباسية، وكان الإمام عليه السلام على يقين بذلك، وعلم أنه سيُقتل، وهو من الأئمة الذين استشهدوا في سن مبكرة، فقد تسلّم الإمامة وهو في سن السابعة تقريبًا، وهذا دليل على أنه حجة الله، لأنه من غير المعقول أن يتصدى طفل عادي لمسؤولية حفظ الدين، فوجود الإمام شرط أساسي لحفظ الشريعة، فالإمام الجواد عليه السلام كان مؤهلاً منذ ولادته ليكون حجة الله، وقد قضى حياته مدافعًا عن دين جده صلى الله عليه وآله، ونحن، كشيعة إمامية، نُعرف في التاريخ بمواجهة الظلم في جميع مراحله، لأن ما جاء به أهل البيت عليهم السلام متّصل بالقرآن الكريم، والقرآن يحذر من الركون إلى الظالمين، كما في قوله تعالى: “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”، فالركون إلى الظالمين، أو الرضا بظلمهم، هو من الكبائر، ورغم ما فعله العباسيون بالإمام الجواد عليه السلام، إلا أنه لم يرضَ أن يسكت على الظلم، حتى لا يُفهم أن الإمام قد أقرّ بوجود الظالم أو بمشروعية سلطتهم”.

وختم الشيخ بحسون: “لقد كان دائمًا، حتى في أضعف الظروف، يعبّر عن موقفه الواضح، ويرفض كل ما يصدر من غير أهل البيت، ليؤكد للناس أن الحق محصور بأهل البيت عليهم السلام، حتى لا يُغرَّر بالناس أو ينخدعوا باتباع غيرهم”.

مكتب لبنان| شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.