خاص- في اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب.. هذا ما فعله الاحتلال في لبنان

1006
رئيس الحركة البيئية في لبنان، البروفسور حسان مخلوف

خاص شفقنا- بيروت-
يصادف اليوم الخميس ٦ تشرين الثاني اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب، ويأتي هذا الإعلان من أجل التأكيد على حماية البيئة خلال الحروب، لما لها من آثار كارثية عليها وعلى جميع مكوناتها.

وأصبح واضحا وجليًّا أن آلة القتل الإسرائيلية أدت إلى تدمير مساحات واسعة من الغابات والأراضي الزراعية في الجنوب اللبناني، وإلى تلوّثِ التربة ومصادر المياه ببقايا الذخائر والمواد السامة المنبعثة منها. كما تسببت في نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات البرّية والمواشي، وأدّت إلى تغيّر في توازن النظام البيئي المحلي. وإضافةً إلى ذلك، أدّى النزوح السكاني من القرى الحدودية إلى إهمال الأراضي، مهدِّدًا استدامة البيئة في المنطقة.

رئيس الحركة البيئية في لبنان، البروفسور حسان مخلوف، أشار في مقابلة خاصة مع وكالة “شفقنا” إلى أنّ الحرب الأخيرة على جنوب لبنان لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية محدودة، بل شكّلت جريمة بيئية وإنسانية بكل المقاييس، إذ استُخدمت فيها أسلحة محرّمة دوليًا، أبرزها قنابل الفوسفور الأبيض، التي خلّفت آثارًا مدمّرة على الطبيعة والإنسان معًا.

وقال مخلوف: “إنّ الفوسفور الأبيض لا يلتهم الأشجار والتربة فحسب، بل يلتهم مظاهر الحياة نفسها. فعند سقوطه، يشعل حرائق هائلة تمتدّ على مساحات واسعة، مطلقًا مركّبات سامة تتسرّب إلى التربة والمياه الجوفية، لتبقى آثارها المدمّرة لسنوات طويلة. هذا السلاح لا يقتل الكائنات الحيّة فحسب، بل يدمّر توازن الأنظمة البيئية ويقوّض قدرتها الطبيعية على التعافي والتجدّد”.

وإلى جانب الخسائر البشرية، خلّف القصف دمارًا واسعًا في الغابات والحقول الزراعية، وأحرق موائل طبيعية أساسية للثدييات والطيور والحشرات، بما في ذلك الأنواع المهدَّدة بالانقراض مثل السلاحف والنسور والحيوانات الليلية والملقِّحات البرية. كما تلوّث الهواء بفعل الانبعاثات والدخان الناتج عن الحرائق، ما فاقم المخاطر الصحية على سكان القرى الجنوبية وعرّضهم لأمراض تنفّسية وتسمّمات خطِرة، بحسب مخلوف.

ولم يقتصر الأثر على الهواء فحسب، بل طال التربة والمجاري المائية التي امتصّت كميات من المعادن الثقيلة والمواد السامة، مهدِّدةً الأنظمة البيئية على المدى الطويل ومعيقةً قدرة الطبيعة على التجدد الذاتي. وأضاف مخلوف: “إننا أمام تدمير ممنهج للبيئة سيترك ندوبًا عميقة تحتاج إلى سنوات طويلة من الجهود العلمية والبيئية لإعادة ترميمها واستعادة توازنها”.

هل يمكن إنقاذ ما تبقّى من هذه البيئة؟

إنّ إعادة الحياة إلى الجنوب ليست مجرد مهمة بيئية، بل واجب وطني وأخلاقي لحماية الأرض ومستقبل الأجيال. لذا، رأى مخلوف أنّ الخطوة الأولى تبدأ بوضع خطة شاملة تستند إلى تشخيص علمي دقيق للأضرار، تُحدَّد فيها مناطق التلوث بالفوسفور والمعادن الثقيلة، وتُقيَّم خسائر الغابات والموائل الطبيعية تمهيدًا لإطلاق ورشة إصلاح طويلة الأمد. يشمل ذلك إعادة تشجير المناطق المحروقة بأشجار محلية مقاومة، ومعالجة التربة بطرق طبيعية لاستعادة خصوبتها، إلى جانب برامج لإحياء الحياة البرية عبر حماية الأعشاش وبناء الملاجئ وإعادة إطلاق الكائنات المتضرّرة في بيئات آمنة.

وتابع رئيس الحركة البيئية في لبنان: “في موازاة ذلك، يجب دعم السكان المحليين، ولا سيّما المزارعين، لأنّ البيئة لا تتعافى من دون الإنسان. فتعزيز الإنتاج المستدام ونشر الوعي البيئي في المدارس والقرى عناصر أساسية في مسار التعافي. إنّ إعادة إعمار الجنوب بيئيًا ليست مشروعًا تقنيًا فحسب، بل مسارًا ثقافيًا ومجتمعيًا لإعادة زرع الحياة مكان الدمار الذي خلّفته الحرب”.

أين الإعلام اللبناني من الإضاءة على هذه الكارثة البيئية؟

اعتبر مخلوف أنّ أداء الإعلام كان، للأسف، محدودًا رغم جهود بعض الصحفيين والمؤسسات. فبينما ركّزت التغطيات على الدمار الإنساني والعمراني، بقيت الكارثة البيئية في الظلّ، رغم ارتباطها المباشر بحياة الناس: هواءهم، وماؤهم، وأرضهم، وصحتهم. كان ينبغي للإعلام أن يكون شريكًا أساسيًا في كشف الجريمة البيئية، وفضح آثار الفوسفور الأبيض والتلوث الحربي، وطرح الأسئلة حول مخاطرها الطويلة الأمد. ودعا الإعلام إلى الانتقال من التغطية الآنية إلى المتابعة المستدامة عبر التحقيقات الميدانية، والأفلام الوثائقية، والتقارير العلمية، والحوار مع الخبراء، فالإعلام ليس مجرد ناقلٍ للحدث، بل قوة ضغط وصوت للطبيعة والإنسان معًا.

وفي الختام، أكّد مخلوف من موقعه كرئيس للحركة البيئية في لبنان أنّنا أمام تحدٍّ كبير؛ فالمعركة ليست لإعمار الحجر فقط، بل لإعمار الحياة نفسها. وسيبقى الجنوب أخضر وخصبًا، لأنّ إرادته أقوى من كلّ الحروب.

وفاء حريري – شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.