خاص شفقنا-بيروت-
بفعل العدوان الإسرائيلي تارةً وبسبب الإهمال والتخريب تارةً أخرى، يشهد لبنان مزيدًا من الحرائق الضخمة التي تلتهم ما تبقى من مساحاتٍ خضراء وحرشية في مناطق مختلفة من أنحاء البلاد، وآخرها في قضاء الشوف وفي منطقة جبل الريحان والجرمق وغيرها.
وفي هذا السياق أسف مؤسس ورئيس جمعية الأرض بول أبي راشد في حديثٍ لوكالة “شفقنا” لمشاهد الحرائق التي يشهدها لبنان بشكل مستمر وغياب الاستعدادت اللازمة والكافية لمواجهة امتداد وتوسّع هذه الحرائق، مؤكّدًا أننا إذا لم نكن نستعد، فمعنى ذلك – مع الأسف – أننا لسنا على مستوى هذه المواجهة.
وأضاف: الحرائق ليست كلها بسبب العدو فقط، فهناك أسباب أخرى، لدينا عدو آخر اسمه التغير المناخي، حيث أننا صرنا نعلم جميعًا أن مناخ كوكب الأرض تغيّر، ولأول مرة في حياتنا نرى الأشجار الحرجية تتيبّس قبل موعدها بشهر كامل، وأنا لاحظتُ أن أشجار الصنوبر بدأت تتيبّس في الأحراج، فسألتُ وزارة الزراعة آنذاك عن الأمر، لأننا أمام ظاهرة غريبة: رياح شديدة مفاجئة، وحرارة مرتفعة حتى في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، بحيث يمكنك أن تسبح في البحر في هذا الوقت من السنة!، إلى جانب أن الأعشاب أصبحت يابسة منذ ثمانية أشهر ولم يروِها المطر، مشيرًا إلى أنّه إذا مرّ أحدهم بسيارته أو دراجته وألقى سيجارة مشتعلة، يستطيع أن يشعل جبلًا بأكمله.
وقال أبي راشد إلى جانب التغيير المناخي لدينا عدوٌ آخر وهو الجهل، كما أنه لدينا عدوٌ ثالث وهو من يحرق الغابات عمدًا ربما ليبيع الحطب أو ليستفيد ماديًا، موضحًا أنّ كل قرية تمتلك ثروة حرجية يجب أن تكون مجهزة بالمعدات وبنظام مراقبة، كما نفعل في الحروب، حيث يوجد مراقبون ومتأهبون دائمًا، يجب أن نتعامل مع موضوع الحرائق بالجدية نفسها، وكذلك ينبغي أن تكون في كل بلدة فرق جاهزة على مدار الساعة.
ورأى أبي راشد أن المشكلة تكمن في أن مجتمعنا لا يعيش في حالة استعداد، بل يعتمد على مشاريع الدولة التي تُعلن أنها خصصت ملايين الدولارات لمكافحة حرائق الغابات، ثم لا نرى نتائج ملموسة، وعندما اندلعت الحرائق لم يكن لدى القرى حتى أدوات بسيطة مثل “المخباط” (أداة تُستخدم لخنق النار) وسعر هذه الأداة لا يتجاوز 25 دولارًا إذا صُنعت محليًا!، مجدّدًا التأكيد على أنّ الغابات التي تحترق اليوم، ليست بحاجة إلى دراسات بل إلى معدات كالمخابط، وأبراج مراقبة، وخزانات مياه تُحمل على الظهر، وسيارات صغيرة تستطيع دخول الأحراج.
أبي راشد أردف قائلًا: “حتى في غياب الدولة، يمكننا نحن المواطنين إذا كنا نحب لبنان وأرضه أن نحمي غاباته، إذ إنّ كل قرية تستطيع أن تضع خزانات مياه قرب الغابة، وجالونات ومرشات، حتى يتمكن الأهالي من التدخل السريع عند أي دخان أو نار صغيرة قبل أن تكبر، والناس مستعدة للتبرع، لكن الوعي هو الأساس، يجب أن يكون هناك وعي قروي، وأن يمنع إطلاق المفرقعات أو إشعال النيران قرب الغابات، فيكفي شرارة واحدة لتشتعل الغابة كلها، خصوصًا في ظل الجفاف والتغير المناخي، حيث أصبحت الغابات قنابل موقوتة من شدة جفافها.
وأشار إلى أنّه في الماضي لم تكن النار تنتشر بهذه السرعة والقوة، واليوم، ما نشاهده في الفيديوهات يشبه جهنم، ما يستدعي منّا أنّ نتفادى مصادر النار، وأن نسيّج مداخل الغابات ونقفل البوابات حتى لا يدخل إليها أحد ليلاً ويلقي سيجارة أو يشعل نارًا عن غير قصد، كما يتوجّب علينا أن نفكر بحلول، وأن نضع الغابة في قلوبنا، لأنها هي التي تمنحنا الحياة، أما إذا بقينا ننتظر تدخل الدولة بعد اندلاع الحرائق، فلن نلحق إنقاذ الغابات، ورأينا في اليومين الماضيين جبالاً رمادية بالكامل، لم تتوقف النار فيها إلا بعدما احترقت كل الأشجار.
وختم رئيس جمعية الأرض بول أبي راشد بالقول: “لقد أصبح شهر تشرين الأول ثم تشرين الثاني موسم حرائق، وأخشى أن يأتي يوم يصبح فيه حتى كانون الأول شهر حرائق أيضًا، مؤكّدًا أنّه علينا أن نقف وقفة ضمير كشعب لبناني، نحمي غاباتنا بمحبة، لأنها هي التي تخزن الماء وتحوي التنوع البيولوجي والنباتات الطبية والعسل والزعتر والقصعين، والغابة هي الحياة، وإذا قصّرت الدولة، فلا خيار أمامنا إلا أن نتحمّل نحن مسؤولية حماية غاباتنا، ونتعاون ونتعلّم من بعضنا البعض، ولنستفد من تجارب الجمعيات العاملة في هذا المجال ومن خبراتها في هذا المجال، وليكن همنا الوحيد حماية غابات لبنان بكل ما نملك.
مكتب بيروت – شفقنا


































