خاص – ولادة السيد المسيح (ع).. مساحة للوحدة والعيش المشترك

570

خاص شفقنا-بيروت-
في ظلّ ما تواجهه المجتمعات المتعدّدة من تحدّيات وانقسامات، تبرز المناسبات الدينية الكبرى، ومنها ذكرى ولادة السيد المسيح (ع)، بوصفها فرصة متجدّدة للتأكيد على القيم الإنسانية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين.

ومن هذا المنطلق، يسلّط القاضي الشيخ عبدو قطايا الضوء على مكانة عيد الميلاد كمحطّة جامعة، ودوره في تعزيز حوار الأديان، ورأب الصدوع الطائفية، وترسيخ خطاب ديني واعٍ ينبذ الكراهية ويعزّز ثقافة السلام والتلاقي.

وفي حديث خاص لوكالة «شفقنا»، أكّد المفتي الجعفري الدكتور الشيخ عبدو علي قطايا أنّ عيد ميلاد السيد المسيح، نبيّ الله عيسى بن مريم (ع)، يمثّل مناسبة قيمية وإنسانية مشتركة تنطلق من الإيمان بمكانته المركزية في الديانتين الإسلامية والمسيحية. ففي الإسلام، يُعدّ ميلاده حدثًا عظيمًا ذا مكانة استثنائية، وهو من أولي العزم من الرسل، ورمز للمعجزات الإلهية والقيم الإنسانية التي تشترك فيها الرسالات السماوية. وقد أشار القرآن الكريم إلى علاقة التبشير والتصديق بينه وبين النبي محمد (ص)، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.

وأشار الشيخ قطايا إلى أنّ مسيرة الأنبياء قائمة على التبشير والتصديق في سلسلة هداية متصلة، وقد عرض القرآن الكريم قصة البشارة حين جاء جبريل (ع) إلى السيدة مريم (ع) مبشّرًا بولادة غلام زكي، واصفًا السيد المسيح بأنّه «كلمة منه»، وجاعلًا مريم وابنها آيةً للناس. كما أبرز ما تحلّت به السيدة مريم من صبر وإيمان في مواجهة مجتمعها، في مشهد يجسّد قدرة الله وحكمته.

وأضاف أنّ معجزة ولادة السيد المسيح من دون أب كانت بداية لمسيرة حافلة بالمعجزات التي جسّدت رحمة الله، من شفاء المرضى وإحياء الموتى، وصولًا إلى دعوته لإصلاح القلوب ونشر الخير وإرساء قيم العدالة والسلام. فالإسلام يقرّ بولادته المعجزة ويخصّها بسورة كاملة هي سورة مريم، فيما ترى المسيحية في ميلاده حدثًا خلاصيًا، ما يمنح عيد الميلاد بعدًا رمزيًا جامعًا بوصفه احتفاءً بقيم الرسالة الإلهية.

وشدّد الشيخ قطايا على أنّ السلام يشكّل جوهر هذه الرسالة، وهو قيمة مركزية في الديانات السماوية، كما يرد في النصوص المقدّسة التي تدعو إلى المحبّة والتسامح وترميم العلاقات الإنسانية، ولفت إلى أنّ الميلاد يحمل رمزية الأمل والبداية الجديدة والنور الذي أنار العالم، ويستحضر قيم الرحمة والتواضع والعطاء ونصرة الفقراء والمهمّشين، وهي قيم تؤدّي دورًا تربويًا في تهذيب النفوس وبناء علاقة روحية مع الله تنعكس سلوكًا إنسانيًا قائمًا على قبول الآخر ومحبته، كما ورد في سفر يوحنا: «أيها الأحباء، إن كان الله قد أحبّنا هكذا، ينبغي لنا أيضًا أن يحبّ بعضنا بعضًا».
وأكّد الشيخ قطايا أنّ هذه القيم تشكّل أرضية خصبة للتلاقي بين المسلمين والمسيحيين، ولا سيّما في المجتمعات المتعدّدة دينيًا، حيث تسهم المشاركة الوجدانية في بناء الثقة وتعزيز التضامن المجتمعي وترسيخ ثقافة العيش المشترك واحترام التنوّع.

وأضاف أنّ تبادل التهاني والمشاركة الرمزية في المناسبات الدينية يعكسان نضجًا حضاريًا، ويحوّلان التعايش من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية ملموسة، وأشار إلى أنّ الاحتفاء المشترك بعيد الميلاد يسهم في نشر ثقافة الحوار بين الأديان، ولا سيّما لدى الأجيال الناشئة، ويحدّ من الصور النمطية وسرديات الصراع، لصالح خطاب التعارف والتكامل، مستشهدًا بنماذج الحوار القرآني مع أهل الكتاب، بما تحمله من آداب وأخلاقيات قائمة على الصبر ونبذ التعصّب.

وأوضح القاضي قطايا أنّ عيد الميلاد يمكن أن يتحوّل من مناسبة دينية خاصة إلى محطّة إنسانية جامعة، تلتقي عندها الرسالات السماوية في جوهرها القيمي، من دون المساس بالخصوصيات العقدية، بما يعزّز الاستقرار والوحدة الوطنية ويكرّس مفهوم المواطنة الجامعة التي تعلو على الانتماءات الفرعية.

وأضاف أنّ الاعتراف الرسمي والاجتماعي بالمناسبات الدينية لمكوّنات المجتمع المختلفة يعزّز مبدأ المساواة والمواطنة المتساوية، فيما تبعث مشاركة القيادات الرسمية في الاحتفال أو توجيه التهاني برسائل طمأنة تؤكّد أنّ الدولة حاضنة لجميع أبنائها، وتحدّ من مشاعر التهميش التي قد تستغلّها الخطابات المتطرّفة.

وتابع: إنّ إحياء عيد الميلاد في إطار العيش المشترك لا يعني المشاركة في الشعائر الدينية، بل الانخراط في بعدها الاجتماعي والإنساني، بحيث يتحوّل العيد إلى رمز للوحدة وفرصة لإعادة إنتاج الثقة الاجتماعية وتعزيز الروابط بين الجماعات الدينية المختلفة، لِما يحمله من رمزية السلام والأمل والميلاد الجديد، وهي معانٍ إنسانية تتجاوز الحدود الدينية.

وختم القاضي قطايا بالتأكيد على أنّ الخطاب الديني في هذه المناسبة يركّز على القيم المشتركة بين الإسلام والمسيحية، كالرحمة والتسامح والعدل، والدعوة إلى التعايش والوحدة والعمل المشترك من أجل الإنسان والوطن والصالح العام، بما يسهم في بناء مجتمع متماسك ونشر ثقافة السلام المستدام.

مكتب بيروت – شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.