خاص- قانون الفجوة المالية إلى الواجهة وسط جدل سياسي واقتصادي

799
المحلل الاقتصادي عماد عكوش

خاص شفقنا- بيروت-
“قانون الفجوة المالية” وافقت عليه الحكومة اللبنانية، ويهدف إلى معالجة الخسائر الضخمة التي تراكمت في النظام المالي اللبناني منذ اندلاع الأزمة عام 2019، وهذه الفجوة هي الفرق بين ما تَديْن به المصارف للمودعين وبين ما هو متوافر فعليًا لدى المصارف ومصرف لبنان، وقد جاء القانون ليضع إطارًا رسميًا لتوزيع هذه الخسائر وتحديد المسؤوليات، مع محاولة حماية المودعين لاسيما الصغار منهم، ووضع أسس لإعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة الثقة تدريجيًا بالنظام المالي والاقتصادي.

الخبير المالي والاقتصادي الدكتور عماد عكّوش قيّم في حديث خاص مع وكالة “شفقنا” هذا القانون، فاعتبر أنّ إقرار القانون الخاص بمعالجة الودائع والفجوة المالية في مجلس الوزراء يوم 26 كانون الأول 2025 ، النسخة النهائية تحمل في طيّاتها الكثير من التساؤلات والاعتراضات سواء من قبل المصارف أو المودعين ولكل منهما رؤيته الخاصة وملاحظاته ، لكن في النهاية فإنّ لكل قانون إيجابياته وسلبياته، ولعلّ عدم توافق كل الأطراف على هذا القانون يعني أنّه يحقّق لكل فريق بعض المصالح.

الإيجابيات:

لا شك أنّ هذا القانون يضع إطاراً قانونياً للاعتراف بالخسائر وتوزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين، بدل استمرار استخدام التعاميم المصرفية لتقييد حركة السيولة والعلاقة ما بين المصارف والمودعين، إضافة إلى الاستنسابية التي مارستها ولا زالت تمارسها المصارف في عمليّاتها المصرفية مع المودعين، كما أنّ هذا القانون يرسم مساراً لردّ الودائع حسب الشرائح، حيث سيتم الدفع لكل المودعين كحد أقصى مئة الف دولار بحسب وديعته وقيمتها خلال نحو 4 سنوات، ثم تحويل الباقي إلى أدوات مالية قابلة للتداول (سندات/أوراق) معزّزة بأصول يملكها مصرف لبنان، بحسب عكّوش.

وتابع: “كما من إيجابياته أنّه لبّى بعض شروط التي طالب بها صندوق النقد الدولي كأولوية لإعادة هيكلة المصارف، وحماية المودعين قدر الإمكان وإعادة تشغيل الائتمان، كما يتضمّن عناصر تدقيق مثل إلزام تقييم الأصول وتدقيقها، والسعي لشطب الودائع “غير المشروعة”، أو التي حُوّلت بشكل غير مناسب، أو فرض غرامة مالية بمعدل 30 بالمئة على من لا يلتزم بإعادة التحويلات التي تزيد عن خمسماية الف دولار.

السلبيات:

من جهة أخرى لناحية السلبيات قال عكّوش: الخطة الزمنية طموحة ومصادر التمويل حسّاسة وغير مضمونة، ويحتاج توضيحاً وتعزيزاً حول التزامات الدولة وقدرتها، كما أنّ استخدام أصول مصرف لبنان وخاصة الذهب قد يكون مقيّداً قانونيا،ً وهناك نقاش عام متجدّد حول قابلية تسييل الذهب أو رهنه بسهولة بسبب قيود قانونية قائمة، ما يجعل السندات المعزّزة بالأصول حساسة جداً إذا لم تُحسم تفاصيل الضمانات وآليات التسييل والسقف القانوني.

وأضاف عكّوش: “أخطر ما في هذا القانون إمكانية تحويل الخسائر إلى عملية شطب للودائع الكبيرة عبر سندات طويلة الأجل عمليّاً، أو نقل المشكلة لما بعد 14 سنة أي السنة التي تبدأ هذه السندات بالاستحقاق، فمن أين سيتم تمويل هذه الاستحقاقات؟ ووفقا” لهذا القانون لا يوجد تراتبية واضحة لتوزيع الخسائر، بالتالي سينشأ نتيجة لهذا الغموض نزاع قانوني لن ينتهي بسهولة، يضاف إلى ذلك اعتراض المصارف على هذا القانون، ممّا يعني إمكانية عدم تجاوب المصارف مع شروط التطبيق”.

هل القانون يتماشى مع الواقع؟

أما في ما يخص واقعية الأرقام المتداولة، فلا يمكن الجزم بها حالياً بسبب غياب التدقيق الجدي في حسابات المصارف ومصرف لبنان، ما يجعل احتمال وجود أخطاء وارداً، ومع ذلك، تبدو هذه الأرقام غير بعيدة عن الواقع، وهي تتقاطع مع نطاقات تناولتها تقارير مؤسّساتية خلال السنوات الأخيرة، غير أنّ بلوغ الدقة المطلوبة يبقى مرتبطاً باعتماد منهجية واضحة لقياس وتقييم محفظة الدولة، وتصنيف خسائر مصرف لبنان، وتحديد جودة أصول المصارف، وفق ما رأى الخبير المالي.

من يخدم إقراره؟

يمكن القول أن هذا القانون ينطوي على مصلحة مشتركة للجميع، ولفت عكّوش إلى أنّه من جهة يحقّق منفعة لصغار المودعين إذا طُبّق كما أُعلن، لجهة ردّ كامل للودائع التي تقل عن مئة ألف دولار خلال أربع سنوات، وهو ما يُعد أفضل من الواقع الحالي لكثيرين.

وتابع: “كما أنّ للمصارف مصلحة فيه أيضاً، إذ يوفّر لها وقتاً وإطاراً منظّماً لإعادة الهيكلة بدلاً من الذهاب إلى إفلاس شامل وفوري، فضلاً عن كونه يوزّع الخسائر بحيث تتحمّل المصارف جزءاً محدوداً منها.
أمّا بالنسبة إلى الدولة ومصرف لبنان، فإنّ هذا القانون يساهم في تخفيف الضغط النقدي المباش،ر عبر تحويل جزء كبير من الالتزامات إلى أدوات طويلة الأجل، مدعومة بأصول تابعة لمصرف لبنان”.

وختم الخبير المالي حديثه: “يبقى أن نقول أنّ المحاسبة في لبنان هي شعارات براقة، لم ولن تلتزم بها أي حكومة أو أي قضاء في المستقبل في ظل هذا النظام السياسي الطائفي، فالمحاسبة تحتاج إلى قضاء مستقل وهذا لا يمكن تحقيقه في المدى المنظور، كما يتطلّب تفعيل الهيئات الرقابية، وتطبيق قوانين مكافحة الفساد وتبييض الأموال، ورفع السرية المصرفية حيث يلزم، وملاحقات محدّدة بالأسماء والأفعال وهذه أمور مستحيلة في لبنان”.

وفاء حريري – شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.