خاص شفقنا- بيروت-
أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) من أعظم الشخصيات التي حفرت اسمها عميقًا في تاريخ البشرية، حيث خصه الله بولادة مباركة في بطن الكعبة الشريفة في مكة المكرمة، ونشأ في بيت النبوة، فكان أوّل من آمن برسول الله محمد (ص) ورسالته، وعُرف بشجاعته وحكمته وعدله، كان ولا يزال مثالًا في العلم والتقوى والزهد، فاجتمع له شرف النسب وعلوّ الخُلُق وصدق الإيمان، فبقيت سيرته وفكره وقيمه مصدر إلهام للأجيال على مختلف انتماءاتهم.
أستاذ الفلسفة السياسية الأب البروفسور باسم الراعي وفي حديث خاص مع وكالة “شفقنا”، رأى أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) شخصية تاريخية تركت بصمة عميقة في التاريخ الإنساني، فعندما نقرأ نهج البلاغة ونطّلع على ما يحتويه من سعة في الفكر وعمق في الرؤية ومرامٍ إنسانية سامية، ندرك أنّنا أمام شخصية عاشت زمانها بروح أوسع من الضيق الفكري والسياسي والاجتماعي الذي كان المجتمع آنذاك يرزح تحته، لقد نظر الإمام علي (ع) إلى مجتمعه برؤية أرحب من واقع ذلك المجتمع، وهذا يدلّ بوضوح على سعة اطّلاعه الإنساني في المقام الأول.
وأشار الأب الراعي إلى أنّ هذا البعد الإنساني هو ما يزخر به كتاب نهج البلاغة، قائلا: “إذا تأمّلنا هذا الإرث الإنساني الغني، لا سيّما ما ورد في نهج البلاغة الذي قرأته مرات عديدة، نجد أنّنا قادرون على استخراج مفاهيم عامّة يمكن أن تلتقي حولها الإنسانية جمعاء، سواء كانوا من غير الشيعة أو حتى من غير المسلمين، وهذه بحد ذاتها قيمة عظيمة، فهذه شخصية تمتلك من الخصائص الإنسانية ما يؤهلها لأن تكون عابرة للحدود وقادرة على التواصل مع الآخرين”.
وأضاف: “أكثر ما شدّني في نهج البلاغة هو هذا النوع من الزهد الذي ميّز نظرته إلى الحياة، وإلى الأشياء، وإلى الملك، وإلى الحاكمية، لقد كان لديه بُعدٌ زهدي واضح في مقاربته للأمور، والزهد هنا لا يعني الفقر أو الحرمان، بل يعني التخلّي الواعي وعدم التعلّق، فعلى سبيل المثال، عندما رأى أنّ الوصول إلى الحكم لا يمكن أن يتمّ بالطرق السلمية، رفض أن يلجأ إلى العنف لتحقيق ذلك الهدف، وهذا الموقف يعكس نظرته الزهدية وراحته في مقاربة مسألة الحكم، ويتجلّى ذلك أيضًا في كتاباته إلى الخلفاء، حيث كان يعبّر عن مواقفه بوضوح تجاه قضايا تتعارض مع مبدأ الخلافة أو مع أسس الحكم العادل، وكل ذلك يدلّ على النزعة الزهدية العميقة التي كان يتحلّى بها”.
ولفت الأب الراعي إلى أن هناك مساحات مشتركة بين مقام السيد المسيح وبين الإمام علي (ع)، على مستوى الرحمة بالإنسان، والعطف على الضعفاء والمهمّشين، وهناك شيء من هذا الشعور الإنساني العميق، ومن تلك الروح الإلهية، التي تتجلّى بوضوح في كلمات الإمام علي (ع) وسيرته.
وفاء حريري – شفقنا

































