في حضرة الوتد وملاذ القلوب

297

شفقنا-بيروت-
حينَ ولجتُ ذلك الزقاقَ النجفيَّ العتيق، لم أكُن أخطو علىٰ أرضٍ عادية، بل كنتُ أرتقي في معراجٍ من السكينة. هناك، حيثُ يتلاشىٰ ضجيجُ العالَم ويخفتُ بريقُ الماديات، يقبعُ منزلٌ متواضعٌ بحجمِ التواضعِ كلّه، وعظيمٌ بحجمِ التاريخِ الذي يسكنُه.

ما إن وقعت عيناي علىٰ سَماحتِه، حتى تملّكتني رَعدةٌ هي مزيجٌ من الرهبةِ والاطمئنان. رأيتُ في مُحيّاه “هيبةَ الأنبياء” و”وقارَ الأولياء”؛ وجهٌ نُحتَ من نورٍ وصَبر، وتجاعيد رُسمت بدقّةٍ لتروي حكايةَ قرنٍ من الزهدِ والحكمة. كان يجلسُ جلوسَ المُتعبّدِ الزّاهد، وكأنّهُ جبلٌ من الطّمأنينةِ يرسخُ الأرضَ أن تميدَ بأهلها.

في عَينيهِ رأيتُ العراق، بكلِّ جراحهِ وآماله. لم يَكن ينظرُ إليَّ فحسب، بل كان ينفذُ ببصيرتهِ إلىٰ أعماقِ الروح. تلك الهيبةُ التي تكسوه لم تكن حاجزًا، بل كانت “هيبةَ الأبِ الشّفيق” الذي تلوذُ به الأرواحُ المُتعبة فتجدُ عندهُ المرفأ والأمان. الصّمتُ في حضرتهِ كان أبلغَ من كلِّ الكلام، وسكونهُ كان يضجُ بالمعاني السّماويّة.

وحينَ رفعَ كفّيهِ الكريمتين، شعرتُ وكأنَّ أبوابَ السماءِ قد فُتِحت. كان صوتُ دعائهِ خافتًا كنسيمِ الفُرات، ولكنّهُ عميقٌ كجذورِ النخيل. سمعتُه يلهَجُ باسمِ العراق والعراقيّين، دعاء يخرجُ من قلبٍ لم يعرف إلا الحبَّ لهذا الوطن. كانت كلماتُه بلسمًا يمسحُ علىٰ رؤوسِ اليتامىٰ، ودرعًا يحصنُ البلادَ من العاديات. دعا بأن يحفظَ اللهُ الأرضَ والعرض، وأن يمنَّ علىٰ هذا الشّعبِ الصّابرِ باليُمنِ والبركات.

خرجتُ من عندهِ وأنا لستُ أنا، خرجتُ وقد اغتَسَلت روحي بفيضٍ من النّور، حاملًا في صدري يقينًا بأنَّ هذا البلدَ محفوظٌ ببركةِ وجودِ هذا “الحصنِ المنيع”، وبأنَّ دعاءَهُ هو الحرزُ الذي نلوذُ بهِ عندَ اشتدادِ المحن.

مُحمّد الكوفيّ
الإثنين ١٥ رَجَب الأصبّ.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.