
خاص شفقنا- بيروت-
شهدت الساحة اللبنانية خلال اليومين الماضيين تصعيدًا ملموسًا في الاعتداءات الإسرائيلية، حيث وسّعت قوات الاحتلال دائرة هجماتها لتشمل مناطق شمال نهر الليطاني في الجنوب والبقاع الغربي، والفارق هذه المرة أنّ الاستهدافات طالت منازل سكنية في مناطق جديدة شمالي النهر للمرة الأولى.
ويأتي ذلك في وقت تنتظر فيه الدولة اللبنانية أن يقوم الاحتلال بالتزماته وفق ما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، بعد أن قام لبنان بما عليه، فما هي دلالات هذا التصعيد الموسّع؟
رئيس مركز الدراسات اللبنانية القانونية والسياسية والإدارية في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، الدكتور سامر عبد الله، وفي حديث خاص مع وكالة “شفقنا”، اعتبر أنّ هذه الاعتداءات تستند إلى مجموعة من العوامل: أولًا، الدعم الأميركي المطلق، وهذه نقطة أساسية، وثانيًا، يظهر الإسرائيلي نفسه وكأنه المنتصر، ويتّبع سياسة المنتصر، رغم أنّه عسكريًا لم يكن منتصرًا. كما أنّ الظرفين الإقليمي والدولي يشهدان تحوّلات كبيرة، فالظرف الدولي متغيّر واستثنائي إلى حدّ بعيد.
وأشار عبد الله إلى أنّ الإسرائيلي، إذا أُعطي الإذن الأميركي، فإنّه يسعى إلى ضمّ مناطقنا، لأنّه يطمح إلى تجريد المقاومة من سلاحها، ليس فقط جنوب الليطاني بل شماله أيضًا، معتقدًا أنّه قادر على إخضاع هذه المنطقة ووضعها تحت إشرافه المباشر، بحيث يصبح جنوب الليطاني كلّه، ومعه شمال الليطاني، منطقة منزوعة السلاح، وقال : “تكمن الخطورة أيضًا في احتمال أن يسعى الإسرائيلي إلى احتلال جنوب الليطاني مستفيدًا من ضعف الدولة اللبنانية، ومن محاولة قطع طريق الإمداد من إيران إلى العراق ثم إلى لبنان، عبر تغيير الحكم في سوريا”.
وتابع: “لا ننسى أنّ مفاوضات تُجرى اليوم في باريس، ويُقال إنّها غير مباشرة، لكنها في الواقع شبه مباشرة بين الدولة السورية وكيان الاحتلال. واستنادًا إلى ذلك، يبدو أنّ إسرائيل تسعى أيضًا إلى جرّ لبنان بالقوة والضغط للانضمام إلى أي اتفاق مُرتقب قد تبرمه مع سوريا، وهذه المقاربة ليست جديدة، إذ لطالما نظرت إسرائيل تاريخيًا إلى لبنان وسوريا بوصفهما كيانًا واحدًا في ما يتعلق بمشاريع التسوية أو السلام أو التطبيع. وقد شهدنا مثالًا على ذلك بعد سقوط اتفاق 17 أيار، حين اعتبرت إسرائيل أنّ سوريا كانت سببًا رئيسيًا في إفشاله، وتعاملت مع البلدين كجبهة سياسية موحّدة”.
وبالتالي، لا يروق لإسرائيل أن تتوصّل إلى اتفاق مع سوريا بمعزل عن لبنان، بل تسعى إلى دفعه قسرًا نحو هذا المسار، ولذلك تمضي في توسيع اعتداءاتها، مستفيدة من هشاشة الجبهة السياسية اللبنانية ومن غياب ردّ رسمي فاعل على هذه الانتهاكات.
“لا يزال الرهان قائمًا على دعم الجيش والتمسّك بالميثاق والحلول السياسية”
وحول إمكانية الانتقال إلى المرحلة الثانية من عملية حصر السلاح، قال عبد الله: “صحيح أنّ هناك توجّهًا سياسيًا عامًا داخل الحكومة لحصر السلاح، لكن هذا الطرح لا يكتمل من دون استراتيجية دفاعية وطنية واضحة، وهو حق طبيعي لأهالي الجنوب والبقاع الغربي، فالاعتداءات لا تطال الجنوب فقط، بل تمتد إلى البقاع الشمالي وأحيانًا الأوسط، ما يستدعي مقاربة وطنية مختلفة لا تقوم على الخضوع لإملاءات الخارج”. لافتًا إلى أنّ حصر السلاح جنوب الليطاني لا يغيّر من واقع أنّ إسرائيل لم تنسحب من النقاط المتنازع عليها وتواصل توسيع اعتداءاتها، جاعلة الجنوب من الناقورة إلى شبعا هدفًا دائمًا لنيرانها، وهكذا يصبح الجنوب خط نار من طرف واحد، بما يطرح تساؤلات جدّية حول جدوى أي مشروع دفاعي في ظل هذا الواقع.
وأضاف عبد الله: “نحن نترقّب ما ستؤول إليه التطوّرات الإقليمية، سواء لجهة احتمالات التصعيد بين إيران وإسرائيل وما قد ينعكس منه على لبنان، أو لجهة مسار التطبيع الأمني بين سوريا وإسرائيل في ظل الحراك القائم، كما أنّ التحركات في جنوب سوريا لها تأثير غير مباشر على الساحة اللبنانية”.
أمّا في الداخل، فلا يزال الرهان قائمًا على دعم الجيش والتمسّك بالميثاق والحلول السياسية، وهي مقاربة أسهمت حتى الآن في حماية لبنان من الكثير من التوتّرات الإقليمية. وفي هذا السياق، تبرز الاتصالات العربية، ومنها الدور المصري والسعودي ودعم الجامعة العربية، الهادفة إلى تجنيب لبنان عدوانًا جديدًا، ومع ما يجري في اليمن وبعض مناطق القرن الإفريقي، يبقى لبنان حتى اللحظة الأقل تأثّرًا سلبًا بهذه التطوّرات، ونأمل أن يستمر هذا الواقع، بحسب عبد الله.
وفي الختام، رأى عبد الله أنّ قيادة “إسرائيل” لمشروع تفتيت المنطقة أصبح أمرًا واضحًا، ولم يعد مشروع التجزئة خافيًا، وقد نصل إلى لحظة يتبيّن فيها أنّ “إسرائيل” خدعت الجميع وتسعى إلى فرض رؤيتها على حساب دول المنطقة. فهناك أيديولوجيا واضحة تقوم على إنشاء كيانات جديدة في الجولان وجنوب سوريا وفتح ممرّات استراتيجية، إضافة إلى تمدّد نفوذها في الصومال وعلاقاتها مع فصائل متعدّدة. حتى تركيا وباكستان باتتا تتعاملان بحذر مع هذه المخططات التي لا تريد قيام دول قوية، خصوصًا العربية والإسلامية. لذلك يحتاج لبنان إلى قراءة شاملة للمشهد الإقليمي من أجل ترتيب أوضاعه الداخلية وتحديد موقعه بدقّة في هذه المرحلة المعقّدة.
وفاء حريري – شفقنا
































