خاص- «حين بكت الجدران».. رواية تختصر قساوة الحرب “الإسرائيلية” على لبنان

671
الروائية معلمة اللغة العربية الدكتورة نورا مرعي

خاص شفقنا- بيروت-
مازالت آثار الحرب “الإسرائيلية” الأخيرة على لبنان ترخي بثقلها على قلوب اللبنانيين خاصة أولائك الذين نجوا من المجازر أو من خسروا أعزاء فيها، ولأنّ التاريخ يخلّد بالكتابة والتدوين، كما أنّ القلم والورقة هي الأداة الفعّالة في التعبير عن المشاعر المؤلمة، قرّرت الروائية معلمة اللغة العربية الدكتورة نورا مرعي تأليف كتابها “حين بكت الجدران” بعد مرور عام على ذكرى هذه الحرب الهمجية، والذي تحدّثت فيه عن عدة مجازر قام بها الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، لا سيّما مجزرة بلدة “عين الدلب” قضاء مدينة صيدا، التي وقعت بجانب بيت الكاتبة مباشرة ليجعلها ناجية منها، وراح ضحيّتها عدد كبير من الأبرياء.

الدكتورة مرعي وفي حديث خاص مع وكالة “شفقنا”، استذكرت المجزرة التي كانت سببا رئيسيا لكتابة الرواية، وقالت: ” بعد وقوع مجزرة عين الدلب، الواقعة خلف المنزل مباشرة، غمرني ألمٌ عميق جرّاء العدد الكبير من المفقودين، والعذاب الذي ارتسم في عيون الأهالي، وصدى الصراخ والدمار الهائل الذي اجتاح منطقتنا، عندها اتخذتُ قرارًا بتخليد ذكرى الشهداء، وكان قرارًا صائبًا، إذ مرّت سنة كاملة على المجزرة من دون أن تحظى بأي اهتمام يُذكر”.

وتابعت: “إلى جانب ذلك، شهدت مجازر أخرى سقطت فيها صديقاتي ضحايا: صديقتي أم حسن مع ابنتها منى في مجزرة الصرفند، وصديقتي ملاك في مجزرة تفاحتا، لذلك كان لا بدّ من تدوين هذا الألم، وتوثيق هذا الحزن على فقد الأحبّة الذين رحلوا ضحايا هذه الحرب البشعة، وكان القرار، كما أسلفت، صائبًا في إعادة تخليد أسماء الشهداء، إذ عدتُ للحديث عنهم أمام الجمهور”.

“تحدّي نقل مشاعر الحزن والألم من الناجين وأقارب عائلات استشهدت بالكامل”

وخلال رحلة التأليف واجهة في البداية الكاتبة معاناة مع الناجين في الحديث عن تجربتهم، لصعوبة مواجهة الألم العميق الذي لحق بهم، وقالت: “عندما توجّهتُ بعد المجزرة مباشرة إلى صديقتي رباب، التي فقدت زوجها وابنتها الصغيرة، طلبتُ منها أن تروي لي بعض الأحداث التي جرت أثناء انهيار المبنى، فهي نجت من تحت الأنقاض مع ابنتها وابنها، لكنّ للأسف فقدت زوجها وابنتها الصغيرة، ورفضت أن تعطيني التفاصيل، لا لأنّها لا تريد المساعدة، بل لأنّها كانت متألّمة جدًّا. وقالت لي: «إذا أردتِ أن تعرفي ما جرى معي، فقد كتبته على وسائل التواصل الاجتماعي»، وقد كنتُ قرأت ما كتبته، لكنني أردتُ تفاصيل أكثر، غير أنّ الدموع كانت في عينيها، وكان الأمر صعبًا للغاية، فاحترمتُ مشاعرها، لذلك اعتمدتُ على ما كتبته، إضافة إلى ما رأيته بعيني”.

ومن أصعب التحديات التي واجهت الكاتبة هي أنّ بعض العائلات قد استشهدت بالكامل، كالعائلة التي جاءت من بلدة عيترون الجنوبية، فلم يكن هناك من تستطيع التواصل معه، وفي بعض الأماكن كان هناك معارف يملكون بعض المعلومات، فكتبت ما استطاعت جمعه، أما الصعوبة الأخرى فكانت حجم الألم الذي كانت تشعر به وهي تكتب، حيث أرادت إيصال مشاعر الحزن والألم إلى القرّاء، وكان ذلك يستدعي في كثير من الأحيان التوقّف عن الكتابة، بسبب انهيارها أمام حجم المصيبة التي حاولت نقلها إلى الآخرين.

رواية "حين بكت الجدران"
رواية “حين بكت الجدران”

“عبارات حملت الجانب الإنساني القاسي للمجزرة”

وذكرت الروائية أبرز العبارات التي أثّرت فيها بشكل كبير، منها ما قيل عن والدة الشهيد التي أرادت إنقاذ ابنها، فقالت:«سأدفع لك الكثير من المال، فقط أزل الأنقاض عن ابني»، فنظر إليها وقال:«ابنك شهيد».

وكذلك عبارة:«لم أبكِ يومًا، بكيتُ يوم أدركتُ أن أسماءهم لم تعد تُنادى».

وأيضًا:«في الحرب لا تموت البيوت وحدها، بل تموت التفاصيل الصغيرة التي كنا نعلّق عليها أعمارنا».

وكذلك: «منذ أن بدأت الحرب لم يعد البيت كما كان، تغيّرت خريطة البيت، وتغيّرت خريطة قلبي معها».

هذه عبارات أرادت لها الكاتبة أن تُزرَع في الذاكرة، وتابعت: “الجانب الإنساني في هذه التجربة قاسٍ جدًا، ولذلك أردنا أن ننقله إلى الناس، لأن الكلام هو الوسيلة الوحيدة للتعبير، فعندما يقرأ المرء رواية ويصادف مثل هذه العبارات المؤلمة، كأن يُقال لامرأة عجوز: «ابنك شهيد»، فإنّ هذه الكلمة وحدها تدمي القلب، ولهذا قال معظم من قرؤوا الرواية أنّهم بكوا، وإنّ مستوى الإحساس فيها كان عاليًا جدًا، ولم يستطيعوا نقل ما قرؤوه إلى الآخرين لهول المصيبة التي شعروا بها”.

لماذا عنوان «حين بكت الجدران»؟

لفتت مرعي إلى أنّ العنوان كان رمزيًا، وأضافت “أنتِ تعيشين في بيتٍ تحتضنك جدرانه، وهذه الجدران تعرف تفاصيل حياتك، تحفظ ألمك وفرحك، وتمنحك الإحساس بالأمان، لكن ماذا لو انهارت هذه الجدران فوق رأسك؟ لقد كانت الجدران الشاهد الصامت على اللحظات الأخيرة لمن رحلوا، وعندما قلتُ «حين بكت الجدران»، أردتُ التعبير عن بكاء الجدران على الناس الذين غادروا، وستلاحظون في الرواية أيضًا فقرة بعنوان «حين تكلّمت الجدران»، قلتُ فيها:

«بعد أن سكتت المدافع، ومرّت القوافل تحمل أسماء الغائبين، بقيتُ أنا، والجدار الذي لم ينهدم بالكامل. ظنّوا أنني سأسكت، لكنني كنت أتهيأ للكلام. وحين ارتكب العدو مجزرته الكبرى في عين الدلب، لم أكن شاهدًا فحسب، بل ذاكرة كاملة ترفض أن تُدفن تحت الغبار. وكنت أرى وأسمع وأحفظ وأنتظر. لستُ بيتًا وحسب، أنا جدرانكم التي أنصتت إليكم، وحفظت أصواتكم وأنفاسكم وخطواتكم المرتجفة. أنا الصامت الذي احتميتم به حين كانت القذائف تزأر خلف الستائر. أنا التي رأت كل شيء، ولم يصدّقها أحد».

وختمت الروائيّة بالقول: “التاريخ إن لم يُكتب يموت، وتركه دون توثيق خيانة، وهذه المجزرة لو مرّت مرور الكرام فلن يتحدث عنها أحد، وقد مضت سنة كاملة ولم تُذكر إلا في روايتي”.

وفاء حريري – شفقنا

غلاف كتاب “حين بكت الجدران”
الروائية معلمة اللغة العربية الدكتورة نورا مرعي

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.