خاص شفقنا-بيروت-
تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، متجاوزة في الآونة الأخيرة الإطار الجغرافي والسياسي الذي كان يحكم وتيرة التصعيد، وآخرها اعتداءات اليوم. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول أهداف الاحتلال من توسيع رقعة اعتداءاتها شمال نهر الليطاني.
و في هذا السياق، قال الأكاديمي والحقوقي الدكتور محمد عيسى في حديث خاص لوكالة “شفقنا” أنّه “يمكن قراءة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة شمال نهر الليطاني على أكثر من صعيد، ولا سيما في ظل حالة الجمود التي تطبع الخطاب الرسمي اللبناني، والذي لا يتجاوز حدود الإدانة، من دون أن يُترجم إلى خطوات تنفيذية أو إجراءات عملية، باستثناء التصريحات المتعلّقة بحصر السلاح في منطقة جنوب الليطاني. وقد يكون العدو الإسرائيلي استغل هذه المواقف لينطلق في ممارسة ضغوطه على لبنان في منطقة شمال الليطاني”.
وأضاف: “على الصعيدين العسكري والأمني، نشهد توسعًا في رقعة العدوان الإسرائيلي في مناطق شمال الليطاني بوتيرة أكبر من السابق، ما يحمل رسائل واضحة مفادها أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع نهر الليطاني بوصفه خطًا فاصلًا بين جنوبه وشماله، إذ انتقلت إلى مرحلة جديدة تهدف من خلالها إلى الضغط على الحكومة اللبنانية والمجتمع اللبناني عمومًا، ولا سيما بيئة المقاومة، لتحقيق أهداف أوسع وأكبر على مستوى المفاوضات، ونقلها من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التفاوض المباشر أو غير المباشر، ولكن وفق مستويات جديدة تتعلق بالتنسيق الأمني، وما يُتداول حول منطقة اقتصادية جنوب الليطاني”.
وأردف عيسى: “يمكن اعتبار هذه الاعتداءات المتكررة جزءًا من سياسة “الضغط بالنار”، إذ إن العدو، وإن لم يعلن حربًا شاملة، فإنه ينفّذ عمليات ذات أهداف محددة، يضعها بدقة تبعًا لمسار المفاوضات، فيزيد منسوب الضغط أو يخفّضه بحسب المرحلة، من خلال العمليات العسكرية التي يشنّها دوريًا على لبنان، بهدف إبقائه في حالة استنزاف أمني من دون الانزلاق إلى حرب شاملة”، مشيرًا إلى أنّه “في الوقت ذاته، يستغل العدو الإسرائيلي غياب أي رد فعل فعّال من قبل الجهات الرسمية اللبنانية، خارج الإطار التقليدي المتمثل في بيانات الإدانة، الأمر الذي يعزز الانطباع الخارجي بأن القرار السيادي اللبناني منقوص أو معطّل. ويسمح هذا الواقع لإسرائيل بتسويق اعتداءاتها دوليًا على أنها عمليات “دفاعية”، مستفيدة من عجز لبنان عن فرض نفسه كدولة قادرة على حماية أراضيها أو تفعيل أدواتها الدبلوماسية والقانونية بصورة فعّالة”.
ورأى عيسى أنّه “يُلاحظ في هذا السياق غياب الرسائل المرفوعة إلى مجلس الأمن، أو المواقف الواضحة والصريحة الصادرة عن وزارة الخارجية اللبنانية، بشأن خرق السيادة اللبنانية من قبل العدو الإسرائيلي، وتهديده للمواطنين اللبنانيين، واعتداءاته المتكررة على الأراضي اللبنانية”، لافتًا إلى أنّ “هذه الاعتداءات ليست عشوائية، بل تؤدي وظائف متعددة. أولًا، تسعى إسرائيل إلى تكريس فكرة أن الخروقات الجوية والاعتداءات، ولا سيما في منطقة شمال الليطاني، باتت أمرًا اعتياديًا، وأنها تندرج ضمن إطار القرار 1701 أو ضمن الآليات التي رسمها مجلس الأمن بين الطرفين، رغم ما في ذلك من التباس كبير، خصوصًا فيما يتعلق بشمال الليطاني. وتحاول إسرائيل إزالة هذا الالتباس من خلال فرض قاعدة جديدة مفادها أن أي ضربة شمال الليطاني لا تستدعي ردًا استثنائيًا”.
وتابع: “تهدف هذه الاعتداءات إلى الضغط على المجتمع الداخلي اللبناني، وتحميله كلفة أمنية ومعيشية إضافية، بما يؤدي إلى زيادة الإرباك السياسي والاجتماعي. كما يُستخدم التصعيد العسكري أداةً تفاوضية لتحسين الشروط في أي تسويات إقليمية مقبلة تتعلق بلبنان أو بالمنطقة ككل”.
وحول ارتباط هذا المشهد بالضغوط الدولية، لا سيما الأميركية قال عيسى: “في هذا الإطار، يمكن ربط هذه التطورات بالتصريحات التي صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي أشار فيها إلى الواقع القائم في لبنان، ولا سيما ما يتعلق بملف المقاومة، في رسالة تعكس انزعاجه من السياسات المعتمدة في لبنان، بهدف زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية والسلطات الرسمية. ويتزامن ذلك مع المؤتمر المزمع عقده لدعم الجيش اللبناني، حيث من المرجّح ربط الملفين ببعضهما، بحيث أن أي تباطؤ في وتيرة الأداء الرسمي اللبناني، ولا سيما في ما يتعلق بمنطقة شمال الليطاني، قد ينعكس سلبًا على هذا المؤتمر وعلى الدعم المرتقب للجيش”.
ولفت إلى أنّ “ما يجري في شمال الليطاني يُعدّ اختبارًا حقيقيًا للدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية: فإما أن تنتقل من خطاب الإدانة إلى رسم استراتيجية وطنية واضحة لحماية لبنان، لا تقتصر على التنظير والبيانات، بل تترجم عمليًا على الأرض، بما يشعر جميع اللبنانيين، ولا سيما أبناء الجنوب، بأن الدولة قد احتضنتهم فعلًا، بعدما طالما طالبوا بدولة قوية وعادلة وقادرة.
مكتب بيروت – شفقنا


































