خاص شفقنا- بيروت-
يعاني لبنان، ولا سيّما مدينة طرابلس في الشمال، من انتشارٍ واسع للأبنية الآيلة للسقوط، نتيجة الإهمال المزمن، وغياب الصيانة، وتقادم البنية التحتية، إضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي حالت دون ترميم المباني، حيث تشكّل هذه الأبنية خطرًا حقيقيًا على سلامة السكان، خاصة في الأحياء القديمة والمكتظّة، إذ تتداخل العوامل العمرانية مع الفقر والضغط السكاني، ما يجعل قضية الأبنية المهدّدة بالانهيار تحدّيًا إنسانيًا وإنمائيًا ملحًّا.
رئيس لجنة السلامة العامة في اتحاد المهندسين العرب المهندس الدكتور علي حناوي أشار في مقابلة خاصة مع وكالة “شفقنا”، إلى أنّه على مستوى لبنان عمومًا، يمكن القول إنّ وضع الأبنية مقبول، إلا أنّ بعض المناطق تضم عددًا من المباني التي تعاني أوضاعًا إنشائية غير جيّدة، من دون أن يعني ذلك أنّ المشكلة تشمل جميع الأبنية، بل تقتصر على عددٍ محدّد منها، وقال: “في المدن، ولا سيّما عند الحديث عن الحوادث التي شهدتها طرابلس، يتبيّن وجود تركّز ملحوظ للأبنية المتضرّرة ضمن مناطق معيّنة، كما تُسجَّل حالات مشابهة في بعض ضواحي بيروت وفي مدينة صور، حيث تنتشر مجموعات من الأبنية المتداعية، وبناءً عليه، يمكن القول أنّه على مستوى لبنان ككل، هناك عدد من الأبنية مهدّدة بالسقوط”.
العوامل التي تسبّبت بهذا الوضع الخطير اليوم:
وتعود أسباب هذه الظاهرة إلى عوامل متعدّدة، وأبرزها قِدَم بعض المباني، وتضرّر بعضها الآخر خلال الحروب من دون أن تخضع للترميم، إضافةً إلى مبانٍ متوسّطة العمر تعاني سوء الإدارة والإهمال، ما أدّى إلى تآكل الخرسانة وحديد التسليح نتيجة غياب الصيانة اللازمة، ويمكن تصنيف هذه المباني من حيث العمر إلى ثلاثة أقسام رئيسية: مبانٍ حديثة، ومبانٍ متوسّطة العمر، ومبانٍ تجاوزت عمرها الافتراضي، والذي يُقدَّر عادةً ما بين 60 و70 سنة.
وتابع رئيس لجنة السلامة العامة في اتحاد المهندسين العرب: “تتركّز معظم المشكلات في المباني التي تجاوزت عمرها الافتراضي، نتيجة التآكل وضعف العناصر الإنشائية، أمّا المباني متوسّطة العمر، والتي يتراوح عمرها بين 30 و50 سنة، فهي تعاني من بعض الأعطال والمشكلات الإنشائية، إلا أنّها تبقى في الغالب قابلة للترميم وإعادة التأهيل في حال توفّرت الصيانة المناسبة، وفي المقابل، لا تواجه المباني الحديثة مشكلات إنشائية تُذكر، إلا في حال تعرّضها لظروف استثنائية، كالأعمال الحربية، أو سوء التصميم والتنفيذ، أو تغيير وجهة الاستخدام، أو التعدّي على الأساسات والعناصر الإنشائية الأساسية”.

هل يمكن تدارك الأمر؟
ولفت حنّاوي إلى أنّه لا تتوافر إحصاءات دقيقة على مستوى لبنان حول الأبنية الآيلة للسقوط، إذ يُفترض أن تصدر هذه البيانات عن البلديات باعتبارها الأقرب إلى أرض الواقع، وفي هذا السياق، أُجري في مدينة طرابلس، قبل نحو ثلاث سنوات، مسحٌ لتقييم سلامة الأبنية بالتعاون مع نقابة المهندسين، غير أنّ التوصيات التي نتجت عنه لم تُستكمل على الصعيد التنفيذي، وقال: “تضمّنت هذه التوصيات اقتراح إنشاء وحدات سكنية مؤقتة لإيواء العائلات المتضرّرة ريثما يتم ترميم منازلها وإعادتها إليها، إلا أنّ نقص التمويل وضعف المتابعة حالا دون تنفيذ المشروع، ما أدّى إلى استمرار خطر الانهيارات، وبما أنّ توقيت انهيار المباني المهدّدة لا يمكن التنبؤ به بدقّة، فإنّ التحرّك الوقائي يبقى ضرورة ملحّة لتفادي وقوع الضحايا”.
ما هو المطلوب لتفادي المزيد من هذه الكوارث الإنسانية؟
أجاب حناوي: “يُفترض بالبلديات، كخطوة أولى، إجراء مسحٍ هندسي شامل للمباني ضمن نطاقها بواسطة مهندسين مختصين، وتصنيفها بين مبانٍ آيلة للسقوط تستوجب الإخلاء، وأخرى تحتاج إلى تدعيم أو صيانة جزئية، إضافةً إلى مبانٍ سليمة”.
واعتبر أنّه وفقًا للقانون اللبناني، يُلزم مالك العقار بترميم المبنى وصيانته على نفقته، وفي حال امتناعه، تتولى البلدية التنفيذ وتسجيل الكلفة دينًا ممتازًا على العقار، غير أنّ ضعف إمكانات البلديات يفرض ضرورة دعم الدولة لتأمين التمويل اللازم لتنفيذ هذه الإجراءات.
المسؤولية مشتركة بين السكان والدولة:
ووجّه حناوي رسالتين الأولى إلى المواطن بضرورة الحفاظ على المبنى باعتباره مسكنه الدائم، إذ إنّ الصيانة الدورية تُسهم في إطالة عمره الإنشائي وتُخفّف كلفة الأضرار المستقبلية، لا سيّما عند التعاون بين المالكين في أعمال الصيانة المشتركة، أمّا الرسالة الثانية إلى الدولة، فتتمثّل بوجوب تطبيق قوانين البناء والسلامة العامة، ومنع المخالفات، وضبط أي تعديلات إنشائية كالسماح بإضافة طوابق من دون دراسات إنشائية، أو تغيير في وجهة الاستخدام من دون دراسات وإشراف هندسي كتغيير الشقة من سكنية إلى مستودع، لما قد يسبّبه ذلك من مخاطر جسيمة.
وفي المحصّلة، تبقى سلامة الأبنية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن، لأنّها ترتبط مباشرةً بحماية الأرواح.
وفاء حريري – شفقنا


































