تاريخ الصوم في الأديان والحضارات القديمة

77

شفقنا- بيروت-
تاريخ الصوم يظهر تنوع الممارسات الدينية والاجتماعية التي اتخذها الإنسان وسيلةً للتهذيب الروحي وضبط السلوك، إذ اختلفت أشكاله بين الامتناع عن الطعام أو الكلام أو الشهوات تبعاً لاختلاف الثقافات والاعتقادات.

الصيام سلوك فردي واجتماعي قامت به البشرية منذ زمن بعيد، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالبعد التأديبي والتهذيبي والنفسي للإنسان، وموضوع فرضه لم يكن ابتكاراً مرتبطا بشريعة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله، إنما قامت به ديانات أخرى سبقت الإسلام بقرون طويلة، وهذا ما ذكره كتابنا الكريم بقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا كتب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم…﴾، لكن الآية لم تذكر أي الأمم التي كتب عليها الصيام؟ وفي أي زمن؟ وما كيفيته؟ وهي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها عبر ما وصل إلينا من نصوص ومرويات تاريخية قديمة.

نصوصٌ قديمة

ورد للصوم معانٍ عدة في اللغة العربية، أبرزها معنيان مشهوران، وهما الإمساك عن الأكل والشرب، والإمساك عن الكلام [مقاييس اللغة، أحمد بن فارس] كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ الذي يظهر فيه معنى إمساك اللسان عن الكلام بقرينة تتمة الآية القائلة: ﴿فَلَنْ أكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسيًّا﴾، وإن هذا التعدّد لدلالات لفظة الصوم يمكن أن يكون ناشئًا من اختلاف التشريعات في الأديان الآمرة بالصوم، لأن طريقة الصوم وشكله في الأديان الأخرى لم يأت موحدًا بسلوكيات متشابهة، إنما جاء بطرق وأشكال مختلفة، والامتناع عن الأكل والشرب ليس إلا صورة من صوره، فضلًا عن الامتناع عن الكلام والامتناع عن الجماع المذكور في أديان أخرى سنذكرها لاحقًا.

في البدء ذكرنا أن الصوم بوصفه ممارسة اجتماعية دينية لم يكن حديث العهد إنما رافق البشرية منذ نشأتها، إذ تذكر بعض المصادر أن أول من صام هو أبينا آدم (ع) ثم النبي نوح (ع) ثم النبي إبراهيم (ع)، لكنها أقوال مختلف فيها، ولم تكن محل اتفاق بين المسلمين فضلًا عن غيرهم، بسبب عدم توافر الأدلة الوافية التي تثبت ذلك.

ومن أقدم النصوص التي وردت إلينا في الصوم كانت عن المصريين القدماء الذين ذكروه قبل نحو 5000 سنة، عبر التنقيب الذي أظهره الآثاريون والمتخصصون في علم المصريات الذين قاموا بإعادة كلمة صوم إلى كلمة “صاو” الهيروغليفية، التي تعني “امتنع”، أو “كبح”، مع حرف الميم الذي يعني من أو عن، فتكون “صاوم” أو “صوم” بمعنى امتنع عن طعام أو شراب أو كلام، كما ذكر في (قاموس دكتور بدوي وكيس).

أنواع الصوم

ويذكر عبد الحكيم الصادق، في كتابه (الأديان وفلسفة الصوم) أن المصريين عرفوا نوعين من أنواع الصيام: «النوع الأول (صيام الكهنة)، الذي يتطلب من الكاهن فيه خدمة المعبد لمدة سبعة أيام متتالية من غير ماء قبل التحاقه بالمعبد، وقد تمتد فترة الصيام إلى 42 يومًا، ويبدأ من طلوع الشمس إلى غروبها، ويمتنعون فيه عن تناول الطعام ومعاشرة النساء، ويمر الكاهن في صيامه بمراحل، أولها صيام عشرة أيام عن أكل اللحم وشراب النبيذ، ثم يعقب ذلك تلقينه واجباته المتعلقة بالمسائل المقدسة بعد صيام عشرة أيام أخرى.

أما النوع الثاني من الصيام فهو “صيام الشعب”، إذ كانوا يصومون 4 أيام من كل عام، تبدأ عندما يحل اليوم السابع عشر من الشهر الثالث من فصل الفيضان، والنوع الآخر من الصيام يحرّم فيه أكل كل شيء من الطعام، عدا الماء والخضر مدة سبعين يومًا، إضافة إلى أنهم يصومون في الأعياد مثل عيد وفاء النيل، وموسم الحصاد.

صوم الأمم السابقة

ومن أقدم الأقوام الذين أثبتت النصوص صومهم هم اليهود، قبل ما يقارب 4000 سنة، فهم يصومون ستة أيام بالسنة، يبتدئ في بعضها قبل غروب الشمس إلى ما بعد غروبها من اليوم اللاحق، وفي بعضها من الفجر إلى الغروب، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب والجماع، وفي بعضها عن الطعام والشراب فقط، ومن أهم الأيام التي يصومونها هو يوم الغفران: وهو الصوم الوحيد الذي يعزونه إلى الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه السلام.

وصوم يوم تموز: وهو صيام يوم واحد، في الثامن عشر من شهر تموز اليهودي، ويعتبرونه حداداً على حوادث مختلفة، وصيام التاسع من آب: وهو ذكرى سقوط أورشليم على يد تيطس، وتخريب الهيكل الثاني زمن أدريانوس [دراسات في اليهودية والنصرانية، سعود الخلف]، ويترافق الصوم عند اليهود مع الحزن واستجلاب رحمة الرب ودفع المصائب والهلاك، كما جاء في سفر يوئيل (2: 12): «الآن يقول الرب ارجعوا إليّ بكل قلوبكم، وبالصوم والبكاء والنوح».

وكان الصوم عند الصابئة قبل نحو 4000 سنة، فهو عندهم الركن الخامس من أركان الدين الصابئي، وهو نوعان: الصيام الكبير والصيام الصغير، فالصيام الكبير هو الصيام عن الكبائر والمعاصي مثل القتل والسرقات … إلخ، والصيام الصغير هو الامتناع عن الطعام والشراب، ويكون 26 يوما، أما صابئة اليوم فهم يحرمون الصيام؛ لأنهم يقولون إنه تحريم لما أحل اللّٰه.[الريان في مفهوم الصيام بين الأديان، حمد الصفيان].

تطهير الجسد والعقل

وظهر الصوم كذلك عند الهندوس قبل ما يقارب 3500 سنة بوصفه فريضة غير واجبة، بل هو عمل أخلاقي وروحي يهدف إلى تطهير الجسد والعقل ونيل النعمة الإلهية، وأشكاله متنوعة، تختلف باختلاف المعتقدات الشخصية والعائلية والمجتمعية.

في بعض الحالات، يتضمن الصيام الامتناع عن وجبة واحدة في اليوم، وأحيانًا يكفي استبعاد أنواع معينة من الطعام واستبدالها بأخرى، دون تقييد الكمية، على سبيل المثال، قد يكتفي آكلو اللحوم بطبق نباتي بالكامل، أما النباتيون فيستبعدون غالبًا الأرز والقمح والشعير والعدس ويستبدلونها بالبطاطس. بل من الممكن تناول الحلويات كوجبات خفيفة طوال اليوم.

المسيحيين

أما عند المسيحيين فلم يرد عندهم ما يحدد وقت أو زمن تأدية الصيام في النصوص الإنجيلية، بل هو تبع لكل طائفة وعلى حسب قرار كل كنيسة، مع الاتفاق في أنه قبل عيد الفصح بأربعين يومًا، ولا يقلّ عن صوم اثنتي عشرة ساعة يومياً، من بداية اليوم وحتى انقضاء المدة، مع الاختلاف في طقوسه وتحديد ما هو الطعام الذي يمتنعون عنه [تفسير المنار]،

والديانة المسيحية أقل الديانات تشريعا فقهيا، وأحكامها كلية، تشمل أدوار التاريخ، والمجتمعات المسيحية، والطوائف الدينية كلها، وأكثرها تطورًا مع الزمن والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية أحيانا؛ ولذلك يصعب أن يطلق عليها اسم شريعة إلهية، فالمسيح صام أربعين يومًا قبل أن يبدأ رسالته،

ومن المرجح أنه كان يصوم يوم الكفارة، الذي كان الصوم المفروض في الشريعة الموسوية، وصارت رغبة ملحة بعد نصف قرن من وفاة القديس (بولس ت67م) في تقنين القوانين للصوم، وكان ذلك موكولًا إلى تقوى الصائم، فالرهبان، وبعض رجال الكنيسة يقترحون صيامًا ليقاوم به المسيحيون الإغراءات (المادية والجنسية)،

احتياجٌ أخلاقيٌّ وتربوي

أما في الحقبة ما قبل الإسلام فيذكر الدكتور جواد علي في (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام): أن الصوم المعروف عند اليهود والنصارى كان معروفًا عند أهل الجاهلية الذين كان لهم اتصال واحتكاك بأهل الكتاب، فقد كان أهل يثرب مثلًا على علم بصوم اليهود؛ بسبب وجودهم بينهم، وكان عرب العراق وبلاد الشام على علم بصوم النصارى؛ بسبب وجود قبائل عربية متنصرة بينهم، وكان أهل مكة، ولا سيما الأحناف منهم والتجار على معرفة بصيام أهل الكتاب.

أننا سلطنا الضوء على الأديان التي أخذ الصوم قسطًا كبيرًا من ممارستهم الدينية، وحاولنا أن نأخذ المعطيات الثابتة المعتمد عليها في الفرز بين دين وآخر؛ مما أدى لإغفال بعض الأديان التي اختلف في صدق صيامهم من عدمه كالديانة الزرادشتية، إضافة إلى أن هذا البحث لا يعد وثيقة تاريخية معتمد عليها، إنما هو محاولة عرض بسيطة للأديان التي ذكرت بعض النصوص صيامهم بغض النظر عن إذا كان صيامهم بتشريع إلهي أم بشري.

المصدر: شفقنا العراق

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.