خاص- من التوازن الردعي إلى كسر السقوف..ماذا بعد استهداف السيد الخامنئي ؟

132
الحقوقي والأكاديمي الدكتور محمد عيسى

خاص شفقنا-بيروت-
شكل اغتيال آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (قدس سره) بداية لمرحلة جديدة تنذر بحرب قد لا تبقى محصورة بين ايران وأميركا وإسرائيل.

وفي هذا السياق رأى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور محمد عيسى في حديث خاص لوكالة “شفقنا” أن استهداف المرشد الأعلى في إيران السيد علي الخامنئي، لن يكون حدثًا أمنيًا عابرًا، بل “زلزالًا استراتيجيًا” يطال بنية النظام الإقليمي بأكملها، فالسيد الخامنئي ليس مجرد رأس للدولة، بل هو نقطة التوازن بين المؤسستين الدينية والعسكرية، وضابط إيقاع السياسة الخارجية والنووية. لذلك فإن عملية استهدافه فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من صراع مفتوح بين محورين: محور تقوده إيران ويطرح المواجهة كمعركة بقاء، ومحور تتصدره الولايات المتحدة.

وأضاف عيسى أنّه قبل أي عملية اغتيال محتملة، كان المشهد محكومًا بمنطق التوازن الردعي، أما بعدها، فيُفترض أن ينتقل إلى منطق كسر السقوف. فقد كانت المواجهة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجري ضمن هامش ردع متدرّج، عبر ضربات محسوبة، ورسائل بالنار، ومفاوضات موازية. غير أن اغتيال شخصية بمكانة المرشد يعني الانتقال من سياسة “قصّ الأطراف” إلى سياسة “قطع الرأس”، وهو ما يُسقط عمليًا كثيرًا من القواعد غير المكتوبة التي حكمت الاشتباك طوال العقدين الماضيين.

وأردف عيسى: مع ذلك، فإن نتيجة حدث كهذا لن تكون بالضرورة انهيار النظام الإيراني، بل قد تقود إلى تعبئة داخلية وتماسك مؤسسي عبر آلية دستورية يقودها مجلس خبراء القيادة، مع صعود دور المؤسسة الأمنية العسكرية في رسم السياسات، موضحًا أنّه داخليًا، قد يتعزز الاصطفاف، وخارجيًا قد يترجم ذلك إلى تشدّد أكبر في مقاربة الملفات الإقليمية والنووية، باعتبار أن الردع التقليدي لم يعد كافيًا.

وتابع: كما قد يفضي التصعيد إلى إعادة رسم التحالفات، إذ يمكن أن تتجه إيران إلى تعميق شراكاتها مع روسيا والصين، ليس في المجال الدبلوماسي فحسب، بل في التكنولوجيا العسكرية وأنظمة الدفاع والاقتصاد الموازي للعقوبات، مشيرًا إلى أنّه في المقابل، قد تسعى إسرائيل إلى تثبيت منظومة أمنية إقليمية أوسع، مستفيدة من مسار “اتفاقات إبراهام” ومن تقاطعات المصالح مع بعض الدول العربية القلقة من التمدد الإيراني، غير أن هذه التحالفات لن تكون جامدة، فالدول الرمادية، مثل تركيا وبعض دول الخليج، قد توازن بين هاجس الأمن وضرورات الاقتصاد والطاقة، سعيًا إلى منع الانزلاق نحو حرب شاملة قد تعصف بأسواق النفط والملاحة الدولية.

وقال عيسى إنّه ومن منظور استراتيجي إسرائيلي، يتمحور الهدف حول منع إيران من بلوغ العتبة النووية، وتفكيك شبكة النفوذ المحيطة بها، والحفاظ على التفوق العسكري. واغتيال المرشد ضمن هذا السياق، يُراد به فرض معادلة ردع جديدة قبل تثبيت إيران لقدرات ردعية نهائية. غير أن المخاطرة تكمن في أن ما قامت به أميركا وإسرائيل قد يؤدي إلى نتائج عكسية: توحيد خصوم إسرائيل، وتسريع البرنامج النووي الإيراني، وتعريض مسارات التطبيع لضغوط سياسية وشعبية.

وأشار عيسى إلى أن الاستراتيجية القائمة على “الصدمة الكبرى” قد تُنتج فوضى تتجاوز القدرة على إدارتها. وهكذا يتأرجح المشهد بين احتمال حرب إقليمية واسعة، وبين سعي إيراني إلى إثبات قدرة النظام على إدارة الصراع ومنع الانزلاق إلى مواجهة استنزافية طويلة الأمد في الشرق الأوسط.

وكما أشار إلى أنّه في ظل هذا المشهد، يبرز سؤال محوري: هل يمكن تفادي الانزلاق عبر بناء توازن ردعي أكثر استقرارًا؟ إن البحث في إمكانات توفير توازن ردعي بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما من جهة أخرى، يصبح ضرورة لا خيارًا. ولا يعني ذلك سباق تسلح مفتوحًا، بل صياغة معادلة تمنع أي طرف من الاعتقاد بإمكانية الحسم السريع أو توجيه ضربة قاضية، لافتًا إلى أن هذا يتطلب تعزيز قدرات الردع، ومواكبة التطور التكنولوجي والحروب الهجينة، على أساس اعتراف متبادل بالقدرة على الإيذاء، وبأن كلفة الحرب تفوق مكاسبها.

وخلص عيسى بالقول: إذا كان اغتيال المرشد سيؤسس لمرحلة جديدة، فإن استقرارها لن يتحقق إلا عبر إعادة توازن مدروس يمنع الشرق الأوسط من السقوط في دوامة صراع وجودي طويل الأمد، ويحول دون تفاقم النزاعات التي قد تُضعف دول المنطقة وتعمّق حالة عدم الاستقرار.

مكتب بيروت –شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.