خاص شفقنا-بيروت
لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد تصعيد تقليدي يمكن احتواؤه عبر البيانات الدبلوماسية أو الضربات المحدودة. استهداف حقل بارس، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، لم يكن حادثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية تنذر بانزلاق المنطقة إلى نمط جديد من الحروب: حرب البنى التحتية الاستراتيجية، حيث تتحول الطاقة إلى سلاح، والأسواق إلى ساحات قتال غير مباشرة.
لقد شكّل هذا الاستهداف انتقالًا واضحًا من “حروب الظل” إلى “حرب مكشوفة” تتجاوز الجغرافيا العسكرية نحو الاقتصاد العالمي. فحين يُستهدف مصدر طاقة بهذا الحجم، لا تعود الرسالة موجهة لطهران وحدها، بل إلى العالم بأسره: أمن الطاقة لم يعد مضمونًا، وأي تصعيد إضافي سيُترجم فورًا إلى اضطراب في الأسواق وارتفاع في الأسعار.
في هذا السياق، تبدو الرسالة الإسرائيلية متعددة الأبعاد: قدرة على الاختراق العميق، رفع كلفة الرد الإيراني عبر ضرب مفاصل اقتصادية، وتوسيع مسرح العمليات. في المقابل، يكتسب تصريح بنفي علم واشنطن المسبق بالهجوم دلالة على محاولة أميركية دقيقة للموازنة بين دعم إسرائيل وتفادي الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، في إطار “غموض مدروس” يتيح الاستفادة من الضغط دون تحمل كلفة الانفجار.
لكن التداعيات لا تقف عند حدود الإقليم، بل تمتد إلى أحد أخطر مفاصل الجغرافيا الاستراتيجية في العالم: . هذا المضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، يشكّل ورقة ضغط مركزية بيد إيران. التهديد بإغلاقه، أو حتى تعطيل الملاحة فيه بشكل جزئي عبر استهداف السفن ، كفيل بإحداث صدمة فورية في الأسواق العالمية.
إغلاق المضيق ولو مؤقتًا يعني عمليًا، تعطّل جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، ارتفاعًا حادًا وسريعًا في أسعار النفط والغاز، وإدخال الاقتصاد العالمي في حالة طوارئ.
لكن الأخطر من الإغلاق الكامل هو “الضغط الرمادي” الذي تمارسه إيران في هذا النطاق: تهديد دائم دون تنفيذ شامل، يرفع كلفة التأمين والشحن، ويخلق حالة عدم يقين مستمرة في الأسواق. هذا النوع من الضغط يمنح طهران قدرة على التأثير دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة.
إلى جانب ذلك، فإن أي رد إيراني مباشر عبر استهداف منشآت النفط والغاز في دول الخليج سيشكّل تصعيدًا نوعيًا آخر، فهي تعتمد بشكل أساسي على استقرار هذه المنشآت لضمان تدفق صادراتها. ضرب هذه البنى التحتية، حتى بشكل محدود، قد يؤدي إلى: خفض الإنتاج، اضطراب في سلاسل التوريد، وقفات مؤقتة في التصدير، وارتفاع إضافي في الأسعار.
هنا، يتحول الخليج بأكمله إلى “نقطة اختناق طاقوية” للعالم، حيث تتقاطع الضربات العسكرية مع المصالح الاقتصادية الكبرى.
في اوروبا ، التي لم تتعافَ بعد من آثار أزمة الطاقة الناتجة عن حرب اوكرانيا روسيا ، يُعيد هذا التصعيد إحياء هواجس الانقطاع وارتفاع الأسعار. الاعتماد المتزايد على الغاز المسال، وخاصة من الخليج، يجعل أي تهديد لمنشآت الإنتاج أو مسارات التصدير عاملًا مباشرًا في رفع الأسعار، وزيادة التضخم، والضغط على الاقتصادات الصناعية الكبرى . وهكذا، يتحول الخليج إلى متغير حاسم في الاستقرار الاقتصادي الأوروبي.
أما في لبنان ، فإن التأثير يأخذ طابعًا أكثر هشاشة وخطورة. فبلد يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية عميقة وانهيار في قطاع الطاقة، لن يكون قادرًا على امتصاص أي ارتفاع إضافي في الأسعار. وسيعني ذلك ان طالت الحرب واغلاق مضيق هرمز سيؤدي ذلك اى زيادة كلفة الكهرباء والمحروقات،
وضغطًا إضافيًا على العملة، وتفاقمًا في الأزمة المعيشية.
كما أن موقع لبنان الجيوسياسي يجعله عرضة لتداعيات أمنية مباشرة في حال توسع الصراع، ما يضاعف من هشاشته في هذه المرحلة الدقيقة.
وسط هذا المشهد، تبدو الدبلوماسية وكأنها تسير خلف الأحداث. وبين محاولات الوساطة التي تقودها دول مثل عُمان وفرنسا ، يبقى السؤال: هل الهدف احتواء التصعيد أم إدارته؟
في المحصلة، نحن أمام معادلة شديدة الخطورة:
تهديد بإغلاق مضيق حيوي، احتمال استهداف منشآت الطاقة، وسوق عالمي شديد الحساسية لأي اضطراب.
إنها لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد مع الأمن، حيث يمكن لضربة واحدة أو قرار تكتيكي أن يطلق سلسلة تفاعلات تتجاوز حدود المنطقة.
وفي ظل غياب إرادة حاسمة للتهدئة، يبقى الاحتمال الأخطر قائمًا: أن يتحول الضغط إلى انفجار، وأن تنزلق المنطقة ومعها العالم إلى مواجهة لا يمكن التحكم بمساراتها.
بقلم الدكتور محمد عيسى





























