إمام النبطية ينعى ولديها المسعفَين الشهيدَين علي جابر وجود سليمان

11

شفقنا-بيروت-
بسم الله الرحمن الرحيم
حبيبيَّ “علي” و “جود”، أنتما وكلُّ شابٍ من شباب الإسعاف (المهذبين) ملتصقون بقلبي التصاق الابن بقلب أبيه، لكأني بفقدكما فقدتُ ولديَّ.
كَم زاد حبي وإكباري لهؤلاء الشباب حين صارحتهم يوم العيد الكئيب بأن البقاء في مدينتهم والخطر محدقٌ بها من كل جانب، ينبغي أن يكون بخيارهما المحض ورضا الكرام أولياءهم، نزولاً في هذه المصارحة عند مسؤوليتي الشرعية والإنسانية.
فلَم أرَ منهم سوى ابتساماتٍ عذبةً رسمتها الشهامة على وجوههم، تشي بصلابة قرارهم: “إن خيارنا مولانا، وبملء الثقة والرضا، هو البقاء في مدينتنا الغالية النبطية، أنتركها وحيدةً أيام المحن والصعاب؟ قيمنا الموروثة من كربلاء تأبى علينا ذلك”.

آثروا البقاء في مدينتهم مع القلة الباقية، يسعون في توفير الدواء للمريض الذي يصعب عليه تحصيله في ظروف الحرب، وربطة الخبز والطعام والحاجيات الضرورية لغير القادر على مغادرة المدينة لثقل تكاليف النزوح، أو صور الذل التي شاهدها في أرصفة بيروت ومراكز الإيواء، أو للذي عشق بيته في النبطية حتى الموت، يؤثرهُ على الحياة شريداً خارجها.

ليس غريباً على هؤلاء الشباب الذين عاشت كربلاء ودروسها ومواقفها الإنسانية في وجدانهم، وتربّوا في أحضان بيوتٍ عاملية تستقي من ميراثٍ رساليٍّ ووطنيٍّ وإنسانيٍّ ثري، أن يختاروا البقاء بكل رضاً وشجاعة في مدينتهم، يسترخصون أنفسهم وهم في عمر الورود، لخدمة الباقين من أهلهم، والإعراب بأبلغ وأصدق الصور عن وفائهم وحبهم للأرض والوطن.

وفي المقابل، إذ تعتز وتفخر بهم مدينتهم وبمن سبقهم من الشهداء، فقد بكت اليوم علياً وجوداً، وشيعتهما عريسين حنّاؤهما دماؤهما الطاهرة، بزفّة عريس كربلاء القاسم (ع) بلهجتها النبطانية الشجيّة:
“عرّيس يا جاسم وين العرس وينه؟”

عزائيَّ المغموس بالأسى والمرارة، ودعائي الخالص بالصبر والسلوان لوالدَي “علي” و”جود”، وافتخاري لا حدود له وقد رأيتهما حضروا بثياب عملهم التطوعي ليودّعا فلذتي كبدهما، يؤكدان بذلك رضاهما عن طريق ولديهما بل عمق انتمائهما اليه وإصرارهما على متابعة المسيرة، وعزائي لوالدتيهما العزيزتين وزملائهم وأصدقائهم.. لقد أحبهما كلّ من عرفهما، وأحبتهما السماء إذ منحتهما خير وسام وأغلى وسام: وسام الشهادة.
بدموعٍ وفية أرثي معهم علياً وجوداً بلسان حال إمامنا الحبيب المفدّى أبي عبد الله الحسين (ع) يرثي ولده علياً الأكبر (ع) المقطع بالسيوف:
“بُنيّ اقتطعتك من مهجتي
علامَ قطعتَ جميل الوصالِ؟
بُنيّ عَراك خسوف الردى
وشأنُ الخسوفِ قُبيل الكمالِ
بُنيّ حرامٌ عليّ الرقاد
وأنت عفيرٌ بحرّ الرمالِ
بُنيّ أبيت سوى القاصرات
وخلفتَ عندي سُمرَ العوالي
بُنيّ بَكتك عيونُ الرجال
ليوم النزيل ويوم النزالِ
بكتك بُنَي صفات الكمال
وغضُّ الشباب وذات الجمال

الشيخ عبد الحسين صادق
٢٥ آذار ٢٠٢٦

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here