شفقنا-بيروت-
لم تعد الحروب تُخاض كما في السابق. لم يعد الهدف احتلال الأرض بالدبابات، ولا نشر الجنود في كل قرية ووادٍ. ما نشهده اليوم هو تحوّل عميق في مفهوم السيطرة. من الاحتلال العسكري المباشر إلى ما يمكن تسميته بـ “السيطرة الأمنية عن بُعد”، نموذج أقل كلفة، وأكثر مرونة، وأشد تعقيدًا في المواجهة.
في الحالة اللبنانية، هذا التحول ليس نظريًا. بل هو احتمال واقعي يمكن قرأته ربطاً بتصريحات وزير دفاع العدو كاتس لمرحلة ما بعد الحرب، بحيث لا يكون له وجود عسكري واسع داخل الجنوب، لكن مع بقاء قدرة إسرائيل على التحكم الأمني عبر الحدود، والتدخل عند الحاجة، ومراقبة المجال الحيوي اللبناني بشكل دائم.
قرار العدو هو تبدّل في طبيعة السيطرة، الاحتلال العسكري التقليدي يعني سيطرة على الأرض والسكان، أي حواجز، دوريات، احتكاك يومي، وكلفة بشرية وسياسية مرتفعة. هذا النموذج سقط في لبنان عام 2000، بفعل المقاومة، وكلفته التي لم تعد قابلة للتحمل بالنسبة له.
في المقابل، يظهر نموذج جديد؛ السيطرة الأمنية، حيث لا تُحتل الأرض، لكن يسعى للتحكم بما يجري فيها. حيث لا جنود في العمق، لكن هناك قدرة على الرصد الدائم وحرية تنفيذ الضربات التي يسعى لتثبيتها وفرض قواعد اشتباك، واختراق استخباراتي مستمر.
بمعنى أدق، السيطرة تنتقل من الجغرافيا إلى القرار الأمني داخل الجغرافيا.
السؤال الجوهري كيف يكون ذلك؟ إنه “الـ Gap” هي الثغرة التي تتحول إلى جبهة أي المناطق التي تُعرف عسكريًا بـ “gap” أي الفجوات الجغرافية أو الأمنية هي الهدف الأول لهذا النموذج.
هذه ليست مجرد مناطق نائية، بل أودية وجبال يصعب ضبطها، ومناطق ظلّ راداري، ومساحات يمكن استخدامها للتسلل أو المناورة.
ما يسعى إليه العدو الإسرائيلي هو تحويل هذه “الثغرات” إلى مناطق مراقبة كثيفة عبر رادارات متقدمة، ومجسات حرارية، وكهرومغناطيسية، وشبكات استشعار مترابطة.
بهدف التمكن من إلغاء عنصر المفاجأة، وتحويل الأرض كلها إلى بيئة مكشوفة.
بالتالي السيطرة بلا احتلال عسكري إنما احتلال أمني بحيث تكون معادلة منخفضة الكلفة.
هذا النموذج يحقق للعدو عدة أهداف دفعة واحدة:
تقليل الخسائر البشرية، وتجنب الاحتكاك المباشر مع السكان، وخفض الضغط الدولي، والحفاظ على القدرة الهجومية.
هي معادلة تقول:
لماذا أحتل الأرض، إذا كان بإمكاني التحكم بها من الخارج؟
لتوضيح ذلك اكثر، نطرح مقارنة سريعة مع اظهار بعض الفوارق، وهي: نموذج رفح مع سيناء لتوضيح نموذج عمل العدو وكيف يُفكر.

قد يبدو للوهلة الأولى أن نموذج “السيطرة الأمنية” المطروح في الجنوب اللبناني يشبه الترتيب القائم على حدود معبر رفح مع شبه جزيرة سيناء، حيث تُضبط الحدود عبر مزيج من القيود العسكرية والتكنولوجيا والمراقبة الدقيقة. لكن هذا التشابه يبقى غير دقيق، إذ تخفي التفاصيل فروقات بنيوية عميقة.
في الحالة المصرية، يأتي هذا الترتيب ضمن إطار اتفاق سياسي واضح هو اتفاقية كامب ديفيد، ما يعني أن الضبط الأمني يتم بموافقة دولة ذات سيادة كاملة على أرضها، وضمن توازن مستقر نسبيًا بين مصر وإسرائيل. كما أن أي نشاط أمني حساس يجري في سياق تنسيق محسوب، لا في إطار فرض وقائع أحادية.
أما التشابه فهو بتخطيط العدو بحسب مُطلعين على وضعه أبراج مراقبة ومجسات حرارية وتعريفات للبصمات… مشابهة لتلك الموجودة على حدود رفح سيناء وكتلك التي ركزها حديثاً في ريف القنيطرة، لتكون على طول الحدود اللبنانية الفلسطينية بعمق يصل بين 5 و 10 كيلومتر في الداخل اللبناني وفقاً لجغرافية المنطقة ال “gap” بأقصى عمق حتى قرى النسق الثالث والتي أعلن عنها كهدف من عمليته التوغلية في جنوب لبنان، بحسب المعلومات سينشر ما يقارب 35 رادار، مع تخطيطه لتقسيم جنوب الليطاني الى منطقة حمراء، بمحاذاة الحدود يمنع التواجد السكاني فيها بعد ما دمرها بشكل كلي طوال الحربين المتتاليتين على لبنان، و مربع ثاني بتدابير أمنية أقل، أما المربع الثالث وصولاً الى مجرى الليطاني يكون بالتنسيق مع الميكانيزم او ما يشبها بشكل فعال اكثر وفقا لما ستؤول اليه مجريات الأحداث، واستحداث مواقع عسكرية اضافية على طول الحدود وقطع مسار المواصلات الرئيسية أي الطريق المُسمى بخط الشام الممتد من الناقورة الى نقطة المصنع الحدودية، كما يكثر الحديث في تقارير العدو عن البحث بجدوى وضع قواعد باتريوت مضادة للصواريخ بالداخل اللبناني القريب من الحدود.
بالعودة الى فعالية هذا النظام مقارنة مع رفح_سيناء، فالصورة أكثر تعقيدًا. حيث لا تنسيق أمني مباشر، والعدو عطل الجدوى من عمل الميكانيزم، بل حالة اشتباك مفتوح . والأهم، أن الجنوب ليس مجرد حدود بين دولتين، بل مساحة يتداخل فيها دور لبنان كدولة، مع وجود فاعل عسكري عدواني اسرائيلي. في هذا السياق، لا تعني “السيطرة الأمنية” ضبط الحدود فقط، بل محاولة فرض حرية تدخل عسكري داخل المجال اللبناني، دون شراكة أو غطاء سيادي.
من هنا، فإن الحديث عن “رفح لبنانية” هو نموذج أكثر تركيبًا أي تكنولوجيا مراقبة شبيهة بسيناء، لكن مع حرية عمل عسكري شبيهة بساحات النزاع المفتوح.
وهذا تحديدًا ما يجعله نموذجًا هشًا بطبيعته
ليس لأنه ضعيف، بل لأنه يفتقد إلى العنصر الذي منح تجربة سيناء قدرًا من الاستقرار أي الاتفاق السياسي الواضح.
نأتي الى التحدي اللبناني، هل يمكن كسر هذه المعادلة؟
هل تستطيع المقاومة في لبنان منع هذا النمط من السيطرة؟
الجواب الواقعي؛ المنع الكامل صعب بحسب خبراء في هذا المجال، لكن التقييد والإرباك ممكنان.
من المواجهة إلى “الممانعة التقنية”.
المواجهة لم تعد فقط بالنار، بل أيضًا بالعقل والتكتيك.
في مواجهة شبكة رصد متطورة، لا يوجد هدف واحد يمكن تدميره لإنهاء المنظومة. لذلك تتحول الاستراتيجية إلى الإرباك بدل التدمير.
التشويش والخداع لا يلغيان المنظومة، لكن يبطئانها ويقللان دقتها ويرفعان كلفتها، بالإضافة الى استنزاف النظام بالإنذارات عندما يرى النظام أكثر مما يجب، يفقد فعاليته. كذلك
الإغراق بالمعلومات المضللة يصبح سلاحًا بحد ذاته.
أيضاً استغلال الجغرافيا اللبنانية، لبنان ليس سهلًا مفتوحًا كالحدود المصرية الفلسطينية، بل تضاريس معقدة وبيئة عمرانية كثيفة، وهذا يخلق دائمًا هامشًا للمناورة خارج أعين التكنولوجيا.
بالتالي تقليل البصمة أي كلما انخفضت قابلية الكشف، تراجعت فعالية السيطرة.
وهنا يدخل عامل الخبرة الميدانية والتكيّف المستمر.
اذاً المعادلة الحقيقية هي كشف، مقابل تفادي ما يجري، ليس صراعًا بين جيشين فقط، بل بين شبكة كشف متطورة، وشبكة تفادي تتطور باستمرار، حيث كل تقدم في الرصد، يقابله تطور في التخفي.
وهنا لا يُحسم الصراع بضربة واحدة، بل بتراكم الأداء.
هذا يعني أن لبنان أمام نموذج جديد من الصراع القادم، الخطر الحقيقي في هذا النموذج لا يكمن في وجود دبابة داخل قرية،
بل في قدرة طرف خارجي على مراقبة الداخل، والتدخل متى يشاء، وفرض قواعد اشتباك دون تحمل مسؤولية الاحتلال.
هذا يطرح سؤالًا سياديًا عميقًا، هل يمكن القول ان لبنان يحفظ سيادته، إذا كان قرارها الأمني مخترقًا ومراقبًا بشكل دائم؟
بالطبع لا.
لبنان لا يواجه عودة الاحتلال العسكري كما كان قبل العام 2000 ، بل احتمال ترسيخ سيطرة أمنية غير مرئية.
هذه السيطرة، أقل كلفة على العدو وأكثر تعقيدًا في المواجهة، وأخطر على المدى الطويل.
لكنها ليست مطلقة.
إذ يمكن تحويلها من أداة مريحة إلى منظومة مكلفة، مُربِكة، وغير حاسمة. وهنا تحديدًا يتشكل توازن جديد،
ليس بين احتلال وتحرير،
بل بين سيطرة أمنية ومحاولة كسرها.
مكتب لبنان – شفقنا



























