قد يرفض الطفل النوم إلا مع أمه، أو يصر على أن يحمله والده وحده، ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بوجود “والد مفضل”. لكن هذا السلوك لا يعكس مقدار الحب الذي يكنه الطفل لكل من والديه، بل يرتبط بكيفية تشكل العلاقة مع والديه، وهي رابطة فطرية تمنحه الشعور بالأمان والطمأنينة. لذلك فإن انجذاب الطفل إلى أحد والديه في مواقف معينة لا يعني رفض الآخر أو حبه بدرجة أقل، وإنما يعكس احتياجاته العاطفية في كل مرحلة من نموه.
التعلق وليس التفضيل
يفرق علماء النفس بين “الحب” و”التعلق”. فالحب شعور معقد يتطور تدريجيا مع الخبرات والعلاقات، أما التعلق فهو نظام بيولوجي فطري يولد به الطفل ليضمن بقاءه وحمايته. ومنذ اللحظات الأولى من حياته يعتمد الرضيع اعتمادا كاملا على من يلبون احتياجاته الجسدية والعاطفية، لذلك يبدأ في تكوين روابط مع الأشخاص الذين يستجيبون لإشاراته باستمرار.
وخلال الأشهر الأولى لا يميز الرضيع كثيرا بين والديه، لكن مع بلوغه نحو الشهر السادس يبدأ في التعرف على الوجوه المألوفة، ثم تتشكل تدريجيا “أشخاص التعلق”. وبحلول الشهر التاسع أو العاشر يكون الطفل قد كون أكثر من علاقة تعلق، إلا أنه يرتبها بصورة تمنحه مع بعض الأشخاص شعورا أكبر بالطمأنينة، خصوصا في لحظات الخوف أو التعب أو المرض أو الانفصال. ولهذا قد يلجأ تلقائيا إلى أحد والديه في موقف معين، ليس لأنه يحبه أكثر، بل لأنه يشعر معه بقدر أكبر من الأمان في تلك اللحظة.

ما سر تعلق طفلك بأحد الوالدين دون الآخر؟
لا توجد قاعدة ثابتة تحدد من سيكون الشخص الأقرب إلى الطفل، إذ تختلف الظروف من أسرة إلى أخرى. لكن العامل الأكثر تأثيرا هو قدرة الأهل على فهم احتياجات الطفل والاستجابة لها بصورة دافئة ومتسقة. فالطفل يميل إلى الشخص الذي يهدئه عندما يبكي، ويواسيه عند المرض، ويطمئنه عندما يشعر بالخوف، لأن هذا الشخص يتحول تدريجيا إلى ما يسميه علماء النفس “القاعدة الآمنة” التي يعود إليها كلما احتاج إلى الاحتواء.
ولا يرتبط ذلك بدور الأم أو الأب في حد ذاته، ولا يعني أن أحدهما أكثر حبا أو اهتماما من الآخر. فقد يكون الأب هو الشخصية الأقرب في بعض الأسر، كما قد يكون أحد الأجداد أو مقدم رعاية آخر. المهم ليس هوية الشخص، بل طبيعة العلاقة التي نشأت بينه وبين الطفل، ومدى شعور الطفل بأنه يجد لديه استجابة يمكن التنبؤ بها كلما احتاج إلى الدعم.
جودة التفاعل أهم من عدد الساعات
ومن أكثر المفاهيم شيوعا بين الآباء الاعتقاد بأن قضاء وقت أطول مع الطفل يضمن علاقة أقوى. لكن الحقيقة هي أن جودة التفاعل غالبا ما تكون أكثر أهمية من عدد الساعات. فالطفل لا يحتاج إلى وجود دائم بقدر حاجته إلى شخص ينصت إليه، ويتفاعل مع مشاعره، ويمنحه اهتماما حقيقيا عندما يكون معه.
لذلك قد يكون لقراءة قصة قبل النوم، أو الحديث أثناء تناول الطعام، أو اللعب لبضع دقائق دون أي مشتتات، أثر يفوق ساعات طويلة يقضيها الوالد مع طفله بينما ينشغل بالهاتف أو العمل. فالطفل يلتقط جودة الانتباه أكثر مما يفهم مدة البقاء، ويشعر بالأمان عندما يدرك أن مشاعره تجد استجابة هادئة ومتوقعة، لا عندما يكون وجود الوالد شكليا أو متقطعا.
لماذا يمر الطفل بمراحل يفضل فيها أحد الوالدين؟
قد يلاحظ الوالدان أن الطفل يفضل أحدهما في مرحلة، ثم يقترب من الآخر بعد أشهر، وهو أمر طبيعي. فاحتياجات الطفل تتغير مع مراحل نموه، كما تتغير الظروف المحيطة به. ففي السنوات الأولى قد يبحث عن الشخص الذي يمنحه أكبر قدر من الراحة الجسدية والاحتواء، بينما قد يميل لاحقا إلى الوالد الذي يشاركه اللعب أو الأنشطة أو الاهتمامات اليومية.
كذلك قد تؤدي الأحداث الكبيرة، مثل استقبال مولود جديد، أو بدء الحضانة، أو الانتقال إلى منزل آخر، إلى زيادة تمسك الطفل مؤقتا بالشخص الذي يمنحه شعورا أكبر بالاستقرار. وهذه التغيرات لا تعني أن علاقته بالطرف الآخر ضعفت، وإنما تعكس حاجته إلى مصدر ثابت للطمأنينة في فترات التغيير وعدم اليقين.






























