خاص- في ذكرى أربعينية الشيخ مرتضى عياد رحمه الله : وفاء وولاء ولقاء جبل عامل بالنجف الأشرف

515

خاص شفقنا-بيروت-
لمناسبة مرور أربعين يومًا على رحيل خادم أهل البيت عليهم السلام الشيخ مرتضى عياد (قدس الله سره)، أقيم يوم أمس الجمعة 14 آب 2026، حفلٌ تأبيني وفاءً لجهاده وعطائه، وذلك في حسينية الإمام علي بن أبي طالب (ع) – الخندق الغميق.

وحضر الحفل التأبيني شخصيات علمائية وسياسية وعسكرية ونيابية ونقابية وشعبية واجتماعية.

الشيخ حسن عبد الله
وبعد آياتٍ من القرآن الكريم، ألقى مفتي صور وجبل عامل القاضي الشيخ حسن عبد الله كلمةً نيابةً عن رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب ورئيس مجلس النواب اللبناني ورئيس حركة أمل نبيه بري قال فيها: “نقف اليوم أمام رحيل رجل لا يُقاس غيابه بمسافة الجسد عن الأرض، بل ينتقل من حضور الأشخاص إلى حضور الذاكرة والآثار. إنه العلامة الشيخ مرتضى عياد الذي نودعه بقلوب مطمئنة إلى أن من عاش العلم وخدم الناس وحمل رسالة الدين بصدق، لا يكون الموت بالنسبة إليه نهاية الطريق، بل بداية الحضور في وجدان من عرفوه”.

وأضاف: “لقد كان الشيخ مرتضى عياد من العلماء الذين لم يتعاملوا مع العلم بوصفه ترفاً معرفياً، ولا مع الدين بوصفه عنواناً يُرفع، بل رأى فيهما مسؤولية أخلاقية تجاه الناس والمجتمع والوطن، نفتقد برحيله صوتاً كان يعرف أن للعلم هيبة، وللكلمة حرمة، وللعالم دوراً يتجاوز حدود المنبر إلى حماية المجتمع من الجهل والانقسام والانحراف”، مشيرًا إلى أنّه “آمن بأن الدين لا ينبغي أن يكون جداراً بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل جسراً إلى المحبة، وأن الوحدة ليست شعاراً سياسياً عابراً، بل حاجة وجودية لهذا الوطن. ومن هنا، فإن رحيله ليس خسارة لعائلته فحسب، بل خسارة لمساحة من مساحات الاعتدال، ولصوت من أصوات الحكمة”.

وتابع القاضي عبد الله: “نحن في زمن بأمس الحاجة إلى العلماء الذين يجمعون ولا يفرقون، والذين يفهمون بأن قوة الدين ليست بتحويله إلى عناوين للصراع، بل بقدرته على صناعة الإنسان الذي يعرف كيف يختلف دون أن يكره، وكيف يحفظ خصوصيته دون أن يحولها إلى قطيعة”، مؤكّدًا أنّ “هذه مسؤولية كبيرة تقع على عاتقنا في لبنان؛ فلبنان ليس مجرد جغرافيا، بل هو فكرة عن العيش معاً، وهو امتحان دائم لقدرة الإنسان على أن يحفظ هويته ويحترم هوية الآخر. ومن هنا كانت رؤية الإمام السيد موسى الصدر مساحة للاعتدال وتجاوزاً للانقسام وصوتاً للحكمة التي أرسى دعائمها في بناء الإنسان. فالعلماء الذين حملوا همّ الإنسان والوطن كانوا شركاء حقيقيين في حماية لبنان؛ لأن حماية لبنان تبدأ بحماية وعي الإنسان فيه”.

وختم بالقول: “إن الوفاء للشيخ مرتضى عياد هو أن نحفظ ما آمن به، وأن نحفظ قيمة العلم، وحرمة الكلمة، ومكانة العالم، وأن ننتصر للحوار في زمن الخصام، وللوحدة في زمن الانقسام، وللرحمة في زمن القسوة”، لافتًا إلى أنّه “كان ينتمي إلى مدرسة ترى أن العلم تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن المنبر مسؤولية، وأن العالم الذي لا يحمل هموم الناس يفقد جزءاً من معنى علمه. والشيخ مرتضى عياد ترك قيمة، وترك علماً، وسيرة، ومحبة، وأثراً، وهذه كلها أشياء لا يملك الموت أن ينتزعها أبداً”.

الشيخ عبد الحسين صادق
من جانبه قال إمام مدينة النبطية سماحة العلامة الشيخ عبد الحسين صادق إنّ الشيخ مرتضى عرف “باعتنائه البالغ بالشعائر الحسينية عبر منبره وكتاباته ومشاركته الوجدانية في مواكب العزاء. وهذه الشعائر لم تأتِ من فراغ أو مجرد عاطفة، بل جاءت مواساة للنبي الأكرم (ص) وأهله الطاهرين (ع) الذين أولوا فاجعة كربلاء أهمية بارزة وحثوا على تعظيمها”، مشيرًا إلى أنّ “هذه العناية السماوية أبقت كربلاء حية في وجدان المسلمين الشيعة يتخذونها قدوة ونموذجاً أعلى في الصبر ومواجهة الظلم. ومن قلب هذه الشعائر انطلقت الشرارة الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي في النبطية، فكان الاقتداء بقيم كربلاء المحرك للتحرير عام 2000. ويحضرنا هنا قول الإمام الخميني: “كل ما لدينا من عاشوراء”، واستجابة الشباب العراقي لفتوى الجهاد الكفائي للسيد السيستاني”.

وأضاف: “إن للشعائر الحسينية أثراً اجتماعياً عميقاً؛ فهي العامل الأبرز في لمّ الشمل وتوثيق الأخوة عبر المجالس والمنبر المسؤول الذي يفسر القرآن ويفقه الناس. وقد جعلت هذه المجالس الأجيال على تواصل دائم مع قيم كربلاء الأخلاقية لتجسيدها نهجاً للحياة”، مؤكّدًا أنّ “هذه الشعائر ليست مجرد طقوس موسمية، بل هي دعوة دائمة للحياة الفاضلة والعيش الحر. ونرى تجسيدها الحي سنوياً في السلوك الكربلائي للملايين من إيمان وكرم وإيثار وتواضع، مما لفت أنظار العالم وجذب أبناء المذاهب والأديان الأخرى، حتى قال صحفي أمريكي مندهشاً مما شاهده: “إنه شيء لا يُصدَّق””.

الشيخ محمد كنعان
بدوره قال رئيس المحاكم الشرعية الجعفرية العليا الشيخ محمد كنعان: “هو رزءٌ يقل الحزن بجانبه، وتحتشد اللوعة في ظله، حين نفقد العالم البركة وركناً من أوتاد الولاء ونبراس احتساب وصبر؛ صبرٍ على أحوال أزمنة عاصرها، وصبرٍ على نازلة المرض إذ طالت. ولم يستطع الموت أن يطوي غارب ذكره أو يغيب ألق حضوره، وما ذاك إلا لتلك المسكة من ولاء لمحمد وآله حاكته ونسجته فضائل دينهم”.

وتابع: “ننعى في شيخنا العلامة عاملياً حمل النجف وتقاليد أدبياتها، وهوى فؤاده مستقراً في عبقها، يتنفس هواءها وعلمها. وما ذاك إلا من تلك الخلقة والجبلة التي اتخذت من الوصي (ع) ملاذ فخر ومأوى مكارم. وننعى في شخص فقيدنا تلك الاستمرارية لنهجٍ حَكَمَ تراثنا منذ الغيبة، بأن يحفظ الموالي في شخصه تلك النموذجية التاريخية والبصمة الفريدة في أن يكون زيناً لخط أئمته وليس شيناً عليهم، في سعي متواصل لإفشاء النقيض الحضاري لفجور البشر وطغيانهم، وأن يحفظ مصالح الجماعة المؤمنة بالانخراط بمحيطه، من خلال رسم توازن دقيق يبقي لعالم الدين خصوصيته وماء وجهه ومروءته، وفي الوقت نفسه يحفظ للمجتمع ذلك الحضور الذي لا ينازع أحداً في دنيا بل ينزعه إلى ما ينجيه في أخرى”.

وأردف الشيخ كنعان “ننعى في الفقيد العزيز ذلك الذي أفشى الأحكام في محيطه وفهمها من أحاط به من أجيال لا زالت على ما علمها في وضوئها وصلاتها وعبادتها وفي شعائر أهل البيت (ع) التي دفع ثمناً باهظاً لثباته عليها. ولقد رست أعواد نعشك على أكتاف الرجال من لبنان إلى النجف، حتى إذا رسى جثمانك في مستقره عند علي (ع)؛ لأن حكم علي من حكم الله تعالى”.

المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان
من جهته قال المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان إنّه “نلتقي على منبر فقيدنا العزيز وأستاذي المربي الشيخ مرتضى عياد، رحمة الله عليه. وفي هذه الدقائق، لا أجد مدخلاً للإشادة بجهاده إلا قول الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، إننا أمام قامة علمية وولائية نهلت من حوزة النجف الأشرف في أوج زخمها العطائي؛ تلك الحقبة التي شهدت تحولات فكرية وسياسية كبرى، فكانت النجف رمز القوة الفكرية لجيل من الأكابر؛ كالإمام المجدد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والسيد حسين البروجردي، والإمام السيد محسن الحكيم، والشهيد السيد محمد باقر الصدر، والإمام الخوئي، والإمام الخميني”.

وأردف: “في هذه البيئة الفكرية عاش الشيخ مرتضى عياد، وسخر جهده العلمي والتربوي لتنشئة الأجيال وترسيخ الهوية الولائية الأصيلة، مؤكداً دوماً أن أقرب الخلق إلى الله هم آل محمد عليهم السلام. وقد سار على هذا النهج المخلص في لبنان، خادماً في ميادينه وعالماً ببراً في العاصمة وخندق الغميق”.

وأضاف المفتي قبلاني: “علمائنا تعاملوا مع لبنان من منطق الشراكة والتآخي الوطني. وطائفتنا الفكرية والثورية ترفض الظلم بكافة أشكاله، ولم ترضَ يوماً بأي مساس بالسيادة اللبنانية أو بنموذج المقاومة الذي أرساه الإمام السيد موسى الصدر”، لافتًا إلى أنّ هذه الطائفة “وقفت هذه سداً منيعاً ضد الاستعمار ومشاريع الصهينة، وموقفنا ثابت لا يتزعزع: المقاومة باقية، ولن نخذل سيادة لبنان ولا صيغته الميثاقية، والسلطة مطالبة بالعودة إلى التوافق والمصلحة الوطنية، ولن نسمح بتمرير أي صفقة تنازلات تمس وجود الوطن”.

 الشيخ حسن بغدادي
كذلك ألقى عضو المجلس المركزي في حزب الله الشيخ حسن البغدادي كلمة أشار فيها إلى أنّه “نلتقي اليوم لإحياء ذكرى أربعين العلامة الراحل الشيخ مرتضى عياد، وهو أحد مصاديق قول الإمام علي (ع) في العلماء: «أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة». والمعيار عند الله تعالى هو بصفاء أصحاب المقامات وإخلاصهم؛ فمعيار القرب والبعد هو صفات الكمال في القلوب”.

وأضاف: “كل من يعرف الشيخ مرتضى عياد يعرف طيبته وصفاءه وعشقه لأهل البيت (ع). أعرف هذا منذ بداية شبابنا في النجف الأشرف، حيث كان يقيم مجلس العزاء الروحي بمناسبة شهادة الإمام زين العابدين (ع) وأكلة “الآش” الشهيرة، واستمر هذا العزاء حتى رحيله. كما تميز بتعلقه بزيارة أئمة أهل البيت (ع) ومقاماتهم”، لافتًا إلى أنّ “أهم شيء هو تطابق القول مع العمل، وتواضعه وأخلاقه وطيبته، وتصديه لإصلاح ذات البين التي هي أفضل من عامة الصلاة والصيام المستحب، وإخلاصه بالعمل وتولهه في حب أهل البيت، وعدم اهتمامه بمسكنه ومأكله. هذه ديدن العلماء؛ كلهم جاءوا من النجف وعادوا لا يسألون عن البلد ولا المأكل ولا العائلة، يسكنون حيث التكليف الشرعي من دون أي اعتبارات شخصية. والشيخ مرتضى هو نجل العالم الجليل الشيخ محمد عياد، وقد استمر دوره الإصلاحي والاجتماعي بذريته وفي مقدمتهم نجله الشيخ مرتضى”.

وأردف الشيخ البغدادي: “ما أحوجنا إلى أمثال هؤلاء العلماء الإجلاء للوقوف إلى جانب الناس وقيادتهم في صراعهم مع الشياطين والمنافقين، وبالأخص العدو الإسرائيلي الذي قال عنه دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري: «من كانت إسرائيل جارة له لا يحتاج إلى عدو»”، مضيفًا “إن الشيخ مرتضى عياد وأبناء جيله من العلماء كان لهم الأثر الكبير في استنهاض المجتمع وتوعيته، وكانوا هم القاعدة والأساس في التكامل مع المؤسس سماحة الإمام المغيب السيد موسى الصدر، في هذه الذكرى الأليمة لخطفه مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والإعلامي عباس بدر الدين. هذا النهج الذي اختطه الإمام الصدر تحقق ببركة تظافر جهود العلماء والمخلصين، فأنتج هذا التكامل مجتمعاً مقاوماً مجاهداً واعياً صابراً ومحتسباً. وإن أحد الأسباب الأساسية لبقاء المجتمع الشيعي في جبل عامل منذ العهد الصليبي وإلى يومنا هذا بعد اللطف الإلهي كان وجود العلماء”.

كذلك ألقى نجل الراحل الشاعر عباس عياد قصيدةً رثائية، فيما توجه نجله الشيخ محمد كاظم عياد لكل من واساهم بالشكر والتقدير، تلاها كلمات وفائية لممثل عن أهالي منطقة الخندق الغميق ألقاها الدكتور أحمد جابر وأخرى لممثل أهالي بلدة طيرفلسيه ألقاها معرف الحفل نيابةً عن الدكتور محمود عيسى.

وفي ختام الحفل التأبيني تليت السيرة الحسينية بصوت الخطيب السيد حاتم شكر.

وعرف الاحتفال الشيخ حسن شاهين.

مكتب بيروت- شفقنا

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here