منذ اربعينات القرن الماضي، بدأ الاهتمام بالحفاظ على الحياة الطبيعية في القبيات، البلدة القابعة في أقصى الشمال اللبناني، عندما بادر الأب الكرملي فرنسوا طنب إلى جمع الفراشات وتحنيطها وتصنيفها ضمن مجموعات. ومع مرور الوقت، حوّل المجموعة التي تراكمت لديه إلى معرض في دير الآباء الكرمليين في قضاء زغرتا – مجدليا.
كانت هذه المجموعة تضم ما يقارب 6000 فراشة، لكنها سرقت خلال أحداث سنة 1975.و قام الأب فرنسوا ببناء مجموعة أخرى من الفراشات، بتشجيع من الأب أيوب يعقوب. وقد وُضعت هذه المجموعة كوديعة لدى راهبات الكرمليات في الفنار.
في سنة 1995، قام الأب أيوب يعقوب، بعد موافقة الأب فرنسوا، باسترداد هذه المجموعة، ليبني من خلالها، ومن خلال الحيوانات والطيور التي قام بتحنيطها، المتحف الحالي.
افتُتح المتحف سنة 1998. وقام الأب أيوب يعقوب بزيادة نحو 13 لوحة فراشات إلى المتحف الحالي، وهو بصدد إضافة 40 لوحة اضافية إلى المتحف في وقت لاحق، يعمل عليها في الوقت الحاضر.

بات المتحف يضم عدداً كبيراً من الطيور والحيوانات المحنطة، فضلاً عن مجموعة استثنائية من الفراشات المحلية والعالمية، بلغت نحو 4000 فراشة تقريباً
تتركز مجموعات الحيوانات والطيور بصورة أساسية على الأنواع المحلية والإقليمية، بالإضافة إلى الأنواع المهاجرة التي تمر فوق لبنان. ويُعدّ لبنان عنق زجاجة يمرّ عبره 80 % من الطيور المهاجرة عالمياً.
يتعرض الكثير من هذه الطيور للصيد العشوائي، فيما يواجه بعضها خطر الانقراض. وهي ظاهرة لم تعد خافية على أحد، في ظل الفوضى التي تسود لبنان، وغياب الرقابة الفاعلة، والعجز عن تطبيق القوانين التي تحمي الحياة البرية.
تنبّه الأبوان طنب ويعقوب مبكراً إلى هذه المخاطر، فنشطا بمثابرة حثيثة في جمع الحيوانات والطيور التي كان يصطادها الصيادون، بهدف حفظ نماذج من أنواع قد تصبح نادرة أو تختفي لاحقاً. وعملا على تحنيطها وفق طريقة خاصة أتقناها وطوّراها على مرّ السنين.
وبفضل علاقات الدير مع عدد من الجامعين في مختلف أنحاء العالم، ومنهم جامعون في اليابان، تابع الأبوان مسيرتهما في جمع الفراشات المحلية والأجنبية وتحنيطها وفق التقنيات العلمية والفنية المتاحة آنذاك.
وتكاملت المجموعة مع مجموعات أخرى جُمعت من جامعين حول العالم، حيث جرى تبادل الأنواع والعينات، ما أسهم في اتساع المجموعة وتنوّعها. وهي تشمل فراشات من مختلف الأحجام والأنواع والألوان.

هذا المتحف هو عبارة عن جمع بين المجموعة الخاصة بالأب فرنسوا طنب والمجموعة الخاصة بالأب أيوب يعقوب. توفي الأب فرنسوا طنب سنة 1997، ليستكمل الأب أيوب يعقوب العمل على تأسيس هذا المتحف، الذي افتُتح سنة 1998.
جناح الفراشات المتميّز
يعتبر جناح الفراشات من أبرز أقسام المتحف وأكثرها تميّزاً، إذ تغطي جدرانه أكثر من 91 لوحة بأحجام مختلفة بحسب الأب أيوب يعقوب مؤسس المتحف، ، ذاكراً لـ “الميادين نت” إن بعضها يتّسع لنحو 10 فراشات كبيرة، فيما يضمّ بعضها الآخر عشرات الفراشات المتوسطة والصغيرة، بألوان لافتة تتدرج بين الأصفر والأحمر والأزرق والأخضر، إلى جانب مجموعة واسعة من الألوان والنقوش الطبيعية النادرة”.
ويظهر من خلال طريقة ترتيب الفراشات أن المجموعة خضعت لأعمال توثيق، وتصنيف وتسمية، مع توفير معلومات وشروح مرتبطة بكل صنف، تشمل مصدره ونوعه وأبرز خصائصه.
حيوانات وطيور
يضمّ جناح الحيوانات البرية غالبية الأصناف المعروفة في البيئة اللبنانية، بدءاً من الحيوانات الأليفة، كالحمار والخروف والهر والكلب، وصولًا إلى الحيوانات البرية، مثل النمس والثعلب والضبع والذئب وابن آوى والخنزير البري، وغيرها من الأنواع التي تعيش في غابات المنطقة.
وتُعدّ غابات لبنان ومحيطها من الغابات الكثيفة والواسعة، كما تشكّل جزءاً مهماً من الغطاء الطبيعي في منطقة شرقي البحر المتوسط، ما يمنح المتحف أهمية إضافية بوصفه شاهدًا على غنى البيئة المحلية وتنوّعها.

أما جناح الطيور، فيضمّ أنواعاً محلية وأخرى مهاجرة أو عابرة، من بينها الطيور الجارحة. ويمكن مشاهدة النسر والبجع واللقلاق من الطيور العابرة، إلى جانب الباشق والحَوْم والغراب وغيرها من الطيور البرية المحلية، فضلًا عن الطاووس والديك الرومي والحمام والورور، وعدد كبير من الأنواع التي عاشت أو مرّت في البيئة المحيطة.
ويفيد الأب يعقوب إن “غالبية الحيوانات المعروضة تعود إلى دول المنطقة، ولا سيما لبنان وسوريا. وقد جرى تحنيطها من دون استخدام الفورمول بالأسلوب التقليدي، بل من خلال تفريغها وتنظيف أجزائها الداخلية مع الحفاظ على شكلها الخارجي، ثم حشوها بالقطن واستخدام هياكل من الحديد لتثبيت الشكل. وهي طريقة دقيقة تستغرق وقتًا طويلًا ولا يتقنها إلا عدد قليل من المتخصصين”.
توثيق البصمة الوراثية
وفي خطوة تهدف إلى تعزيز الدور العلمي للمتحف، تعاون القائمون عليه، بالشراكة مع جامعة القديس يوسف (اليسوعية) في بيروت، في مشروع لدراسة وتحديد “الباركود الوراثي” أو البصمة الجينية (DNA Barcoding) لعدد من الحيوانات والطيور اللبنانية”، كما أفاد الأب يعقوب، مضيفاً إنّ “هذا النوع من الدراسات يتيح التعرف بدقة إلى الأنواع من خلال تحليل تسلسل وراثي قصير ومميز لكل منها، ما يساعد على توثيق التنوع الحيوي اللبناني، والتمييز بين الأنواع المتشابهة، وتوفير قاعدة بيانات علمية يمكن الاستفادة منها في الأبحاث وبرامج الحماية البيئية”.

ويعتقد الأب يعقوب إن “هذا التعاون يشكل انتقالًا مهمًا بالمتحف من مهمة جمع العينات وحفظها وعرضها إلى الإسهام في توثيقها علميًا، وربط مقتنياته بالأبحاث الحديثة المتعلقة بالتنوع الحيوي وحماية الأنواع المحلية”.
فراشات جديدة من دول العالم
بعد إنشاء المتحف، واصل الأب يعقوب الاهتمام بالمتحف، وهو فنان مولع بالألوان والطبيعة، تعلّم التحنيط على يد معلّمه، وواصل العمل على تصنيف المجموعة وتوسيعها وإدخال عناصر جديدة إليها.
ومن أحدث الإضافات التي حصل عليها المتحف، يقول يعقوب: “فراشات من الهند وإيطاليا والفيليبين وفرنسا، فضلًا عن بلدان أخرى توجد فيها أديرة تابعة للرهبانية، ما أسهم في إغناء المجموعة وزيادة تنوّعها الجغرافي والبيولوجي”.
ومنذ تأسيسه، يخضع المتحف لأعمال صيانة دورية تهدف إلى المحافظة على مقتنياته وحمايتها من التلف، نظرًا إلى الحساسية الكبيرة التي تتميّز بها العينات المحنّطة، وخصوصًا الفراشات والطيور وبعض الحيوانات القديمة.

رسالة تربوية وبيئية
لا تقتصر أهمية المتحف على عرض الحيوانات والطيور والفراشات، بل يؤدي المتحف أيضاً دوراً تربوياً وتعريفياً، من خلال الشروح التي يقدمها حول الحياة الطبيعية في المنطقة. ويزوره سنوياً آلاف الطلاب، حيث تتاح لهم فرصة مشاهدة ما يتعلّمونه نظريًا في الصفوف بصورة مباشرة وملموسة.
يتناول يعقوب هذا الجانب من المتحف، ويرى أن “غاية مؤسسي المتحف والقائمين عليه تتركز في تنمية فهم واعٍ وعقلاني للطبيعة، والتعريف بأهمية مكوّناتها في الحفاظ على التوازن البيئي، الذي يتعرض اليوم لاختلال خطير بفعل الممارسات البشرية العشوائية، من صيد جائر ورش للسموم والمبيدات وافتعال للحرائق”.
ومن المعروف أن هذه الممارسات أدّت إلى تهديد أنواع عديدة بالانقراض، كما حرمت كثيرٌ من الطيور المهاجرة محطات الأمان والراحة الضرورية لها خلال عبورها الموسمي فوق الأراضي اللبنانية.

وعند مدخل المتحف، عُلّقت لوحتان توعويتان: تحمل الأولى “الوصايا العشر للصيد”، بهدف توجيه الصيادين إلى أساليب مسؤولة لا تلحق الأذى بهم أو بالآخرين أو بالطبيعة، فيما تعرض الثانية مساوئ الصيد العشوائي وما ينجم عنه من مخاطر على الحياة العامة، ولا سيما عندما يستهدف الحيوانات والطيور المفيدة.
المصدر: الميادين نت




























