هل ينتقل مرض “ألزهايمر ” بالدم؟

لطالما عُرف مرض ألزهايمر بأنه حالة تظهر بشكل متفرق وتتأثر بعوامل مثل العمر والوراثة ونمط الحياة، إلا أن العلماء لا يعتقدون أن هذه هي الطريقة الوحيدة لنشوء المرض.

وفي السنوات الأخيرة، طرح باحثون فرضية مفادها أن ألزهايمر قد ينتشر أيضاً عن طريق العدوى، إذ يمكن أن ينتقل بطريقة ما تشبه انتقال مسببات الأمراض، ليتمخض في النهاية عن الإصابة بالمرض.

وفي تقرير جديد نُشر في دورية “ذا لانسيت” (The Lancet)، يستعرض العلماء الأدلة المتعلقة بجانب واحد من هذه النظرية، حيث يقيّمون احتمالية انتقال بروتينات “أميلويد-بيتا” الضارة -المرتبطة بمرض ألزهايمر- عبر عمليات نقل الدم.

يقول طبيب الأعصاب جون كولينج، من كلية لندن الجامعية (University College London): “تُعد عمليات نقل الدم إجراءً مهماً ينقذ حياة الكثيرين”.

ويضيف: “ومع ذلك، ولضمان أعلى مستويات الأمان الممكنة، من الضروري أن نجري فحصاً دقيقاً وشاملاً لأي مخاطر محتملة”.

أول دليل واقعي يشير إلى احتمالية انتقال الاعتلال

في عام 2015، قدمت إحدى الدراسات أول دليل واقعي يشير إلى احتمالية انتقال الاعتلال المرتبط ببروتين الأميلويد بين البشر من خلال الإجراءات الطبية، كما كشفت أبحاث لاحقة أُجريت عام 2016 عن أدلة إضافية تؤكد الأمر ذاته.

وفي السنوات التي تلت ذلك، كشفت دراسات أخرى عن أدلة إضافية في هذا الصدد.

وفيما يتعلق بمخاطر نقل الدم، شهد عام 2023 نقطة تحول، إذ كشفت دراسة سكانية واسعة النطاق أُجريت في الدنمارك والسويد أن الأشخاص الذين تلقوا دماً من متبرعين عانوا لاحقاً من نزيف داخل المخ، كانوا هم أنفسهم أكثر عرضة للإصابة بنزيف متكرر في الدماغ بعد مرور سنوات.

نزيف الدماغ العفوي يُعد عرضاً مميزاً

وتكمن أهمية هذه النتيجة في أن نزيف الدماغ العفوي يُعد عرضاً مميزاً لمرض “اعتلال الأوعية الدموية النشواني الدماغي” (CAA)؛ وهي حالة مرضية منفصلة عن مرض الزهايمر، لكنها ترتبط أيضاً ببروتينات “أميلويد-بيتا”.

ووفقاً لكولينج وفريقه، فإن “التفسير الأكثر منطقية من الناحية البيولوجية” لما حدث هو أن دماء المتبرعين كانت تحتوي على بذور أولية لبروتين “أميلويد-بيتا” —لم تكن قد تطورت بعد لتصبح مرض (CAA)— وانتقلت هذه البذور إلى المتلقين أثناء عمليات نقل الدم.

وبطبيعة الحال، لا يمكننا الجزم بأن هذا هو ما حدث بالفعل، إذ يحرص الباحثون على توخي الحذر وتجنب إطلاق ادعاءات مبالغ فيها.

غير أنهم يجادلون بأننا نعرف ما يكفي عن المخاطر المحتملة في هذا الصدد للبدء في حماية أنفسنا، تحسُّباً لاحتمال أن يكون انتقال أمراض الزهايمر عبر الدم أكثر من مجرد نظرية.

لا معلومات كافية لتحديد حجم المشكلة

“علينا أن نقر بأننا لا نملك معلومات كافية لتحديد حجم المشكلة بدقة، أو لتحديد التقنيات اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بها”.

وفي هذا الصدد، يرى الفريق البحثي ضرورة إجراء تحليلات وبائية واسعة النطاق -على غرار الدراسة الاسكندنافية التي شملت أكثر من مليون شخص- لمزيد من البحث فيما إذا كانت هناك مواد أخرى تنتقل بخلاف الدم أثناء عمليات نقل الدم.

قد تشمل تدابير الحماية الإضافية تكثيف مراقبة المرضى الأكثر عرضة للخطر (بسبب حاجتهم إلى عمليات نقل دم متكررة، على سبيل المثال)، واستحداث نظام جديد للتحقق مما إذا كانت المؤشرات الحيوية في الدم المرتبطة بمرض ألزهايمر قادرة على المساعدة في تحديد المتبرعين بالدم الذين قد يكونون عرضة لخطر الإصابة بتراكم بروتين “أميلويد-بيتا” المسبب للمرض.

ورغم أن هذه المخاطر قد تظل نظرية إلى حد كبير في الوقت الراهن، إلا أن الباحثين يؤكدون أننا ندرك تماماً عواقب عدم الاستعداد لمواجهتها.

تناول تقرير “التحقيق في قضية الدم الملوث” في المملكة المتحدة، الذي صدر عام 2024، فضيحة الدم الملوث التي يُعتقد أنها تسببت في إصابة أكثر من 30 ألف مريض بدم ملوث في الفترة ما بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهي قضية وُصفت بأنها “أسوأ كارثة علاجية في تاريخ هيئة الخدمات الصحية الوطنية”.

يقول كولينج: “يقدم التحقيق في قضية الدم الملوث درساً تحذيرياً حول مخاطر انتظار اليقين المطلق قبل اتخاذ قرارات تتعلق بسلامة المرضى”.

ويضيف: “نرى أيضاً أهمية التحلي بالانفتاح والشفافية بشأن المخاطر المحتملة لانتقال بروتين ‘أميلويد-بيتا’ (amyloid-beta)، حتى نتمكن من الحد استباقياً من أي خطر محتمل قد يواجه المرضى”.

وفي حين يرى الخبراء أن المخاطر المعروفة حالياً ضئيلة، فإنهم يتفقون على ضرورة معرفة المزيد عما يحدث في هذا الصدد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقة الجمهور في سلامة عمليات نقل الدم.

وتقول سوزان كولهاس، المديرة التنفيذية للأبحاث والشراكات في مؤسسة “أبحاث الزهايمر في المملكة المتحدة” (Alzheimer’s Research UK) -والتي لم تشارك في إعداد الورقة البحثية-: “ما تفعله هذه المراجعة هو تسليط الضوء على فجوة مهمة في معرفتنا”.

وتتابع قائلة: “يطرح الباحثون مبررات لإجراء أبحاث محددة لتحديد ما إذا كان الانتقال عبر الدم يحدث بالفعل، ومعرفة الفئات الأكثر عرضة للخطر، وما إذا كانت هناك حاجة لاتخاذ تدابير للحد من هذا الخطر”.

“في الوقت الراهن، لا نملك ببساطة أدلة كافية للإجابة عن هذه الأسئلة، ولهذا السبب تكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة، وتبرز الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث”.

شارك هذا المقال

آخر الأخبار

قصف مدفعي إسرائيلي إستهدف منطقة الجرمق