خلاص الصهيونية من المكارثيّة وتبرير هوليود لذاتها في فيلم «ترمبو»

141

شفقنا- بيروت-حين شاهدت فيلم «Roman Holiday» للأمريكي ويليام وايلر، لم أكن أعرف أنّ دالتون ترمبو هو كاتب السيناريو، أو لم أكن أعرف من هو ترمبو، لكن علقت كلمة في ذهني من العشر دقائق الأخيرة في الفيلم، حيث الصحافيّون يعرّفون بأنفسهم للأميرة، كلٌّ يذكر المدينة التي أتى منها، واحدٌ منهم يقول إنّه من تل أبيب، وذلك في 1953، أي بعد خمس سنوات على النّكبة، أو إعلان إسرائيل دولة. من بين الدّول القليلة بدا ذكر إسرائيل هنا متقصّدا وغير تلقائي. ونال ترمبو، باسم مستعار، أوسكار أفضل سيناريو في حينها.

يُعرض في الصّالات حاليا فيلم «ترمبو» عن سيرة كاتب السيناريو الأمريكي الشيوعي، وتحديدا عن صراعه مع السّلطة في ظل المكارثيّة ومقاطعته هو وآخرون ممن عُرفوا بـ «عشرة هوليوود». والفيلم من إخراج الأمريكي جاي روتش وبطولة براين كرانستون.

في الفيلم أكثر من مسألة لا بدّ من توضيحها برويّة ومن دون خلط بينها، الأولى أنّ ترمبو انتمى للحزب الشيوعي الأمريكي في فترة تحالف بين الأمريكان والسوفييت، في 1943، وسريعا ولكونه يجهر بشيوعيّته بدأ يعاني من المضايقات ويُنعت بالخائن، من النّاس كما من السّلطة. لذلك قاطعته استديوهات هوليوود، هو وباقي العشرة المعلِنين لشيوعيّتهم، وهم كتّاب سيناريو ومخرجون معظمهم يهود. منعتهم هذه المقاطعة من العمل في السينما، فاختاروا أن يكتبوا بأسماء مستعارة أو بأسماء أصدقاء يعملون في المجال ذاته إنّما ليسوا على اللائحة السوداء.

هذه حكايتهم باختصار، والفيلم يصوّر بعض هذا التضييق عليهم، لكن الفيلم هوليوودي بامتياز، نقول بامتياز لأنّه يحاول تصوير تاريخ أسود لهوليوود بأسلوب التّبرير لا الاعتذار، بالمناورة فلا يخرج المُشاهد أخيرا يلوم هوليوود، أي استديوهاتها، أي شركات إنتاجها، كونها جهازا تابعا للسلطة، في ظل المكارثيّة تحديدا، حيث ترهيب المثقّفين وصل أوجه، وكان الشاعر برتولد بريخت والسينمائي تشارلي تشابلن وآخرون من ضحاياه. أتى الفيلم بشكل لا يَخرج المُشاهد منه إلا متفهّما لتلك الحقبة، من دون أن يتلقّى شيئا عن الشيوعيّة سوى أنّها كانت تُهمة، لم يعرف غير أنّ ترمبو شيوعي ولذلك يُحاكم، باستثناء لقطة قصيرة يشرح فيها لابنته بأنّ الشيوعيّة هي أن تُشارك طعامها في المدرسة مع آخر جائع.

لكن كان لا بدّ مما هو أكثر مباشرة لتقدّم به هوليوود الحديثة الشيوعيّةَ، وهو أن يبدأ الفيلم بالتّنويه، وهذه تُؤخذ كحقائق أو مقدّمات واقعيّة ضروريّة لفهم أحداث الفيلم، أن يبدأ بسطر على الشاشة «يوضّح» بأنّ اليأس من تقدّم الفاشيّة جعل العديدين في أمريكا ينضمّون إلى الحزب الشيوعي..

إذن قبل أن يقدّم الفيلم تبريرا لهوليوود في سلوكها المتماهي مع المكارثيّة، قدّم تفسيرا لانضمام أمريكيين إلى الحزب الشيوعي. تفسير يأخد المتلقّي بعيدا عن البنية الاقتصاديّة والسياسية لأمريكا، كأنّ همَّ الأمريكيين، البعيدين تماما وغير المهدَّدين من الفاشيّة والنازيّة، هو التطرّف اليميني الحاصل في أوروبا وليس النّظام الرأسمالي والليبرالية الاقتصادية في أمريكا، التي تزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، وتحديدا بعد الأزمة المالية التي أودت بأمريكا في عشرينيات القرن، أي حين كان المثقّفون المنضمّون إلى الحزب الشيوعي شبابا يبحثون، غالبا، عن عمل.

وبعدها انتهى الفيلم بخطاب أقرب لأن يكون تصالحيا ألقاه ترمبو العجوز، مُراجعا مرحلة المكارثيّة، في ما يمكن أن يكون لوما لجميع الأطراف، مستكملا ما قاله لابنته خلال الفيلم بأنّ الحكومة جيّدة لكنه يريدها أن تكون أفضل.

إذن ليس الفيلم إعادة تقييم أو نقد لمرحلة الترهيب المكارثي، بل هو نوع من التّبرير لها، مبرزا الظرف التاريخي الذي استدعاها، وترمبو مشاكس، مسموح له أن يشاكس ضمن نظام حكم يكفل الحريّة بأن يصرّح أحد بشيوعيّته ويبقى، بشكل أو بآخر، غنيا!

المسألة الثانية التي لا بد من توضيحها هي أنّ ترمبو، رغم ما ذُكر أعلاه، لم يكن بأخلاق إنسانية نبيلة كما أراد المعجبون بالفيلم أن يفهموا، فكونه شيوعيا وواحدا من ضحايا المكارثيّة، لا يعطي ضمانة ألا يكون ما هو أسوأ من المكارثي في مكان آخر، أن يكون صهيونيا في وقت مازال الجيش الإسرائيلي يتشكّل من عصابات يهوديّة فعلت بالفلسطينيين ما فعلته، فالضّحيّة في مكان يمكن أن يكون جلادا في مكان آخر.

في عزّ أزمته هو ورفاقه من «عشرة هوليوود»، في 1960، كتب ترمبو السيناريو لفيلم «Exodus» (هجرة)، والمصنّف كملحمة صهيونيّة، كفيلم بروبغاندا هو الأكثر صهيونيّة، وكان له تأثير كبير على الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل، لكونه يحكي عن تأسيس دولة الاحتلال. وبعد حظر لترمبو دام عشر سنين، يكتب فيها بأسماء مستعارة، ظهر اسمه لأوّل مرّة ككاتب السيناريو في هذا الفيلم.

لم يُشر فيلم «ترمبو» إلى إسرائيل، فقط أشار إلى أنّ فيلم «Exodus» كان الأوّل الذي ظهر فيه اسم ترمبو علنا. لكن ألم يكن هنالك ربطٌ بين التجرّؤ على إظهار اسمه على الشاشة بعد عقد من الحظر وبين فيلم الدّعاية الصّهيونية الذي كتب نصَّه؟ وكان لذلك الفيلم الصّهيوني انعطافة أنهت حقبة اللائحة السوداء في هوليوود كلّها.

كان ترمبو واحدا من ضحايا المكارثيّة، وكان شيوعيا يحكي عن الفقراء ويعيش حياة أغنياء، وكان صهيونيا. يجب ألا تشوّش واحدة من هذه على الأخرى، لا بد أن تؤخذ منفصلة، ويجب ألا تؤثّر على مسألة أنّه كان، للأسف، كاتب سيناريو متميّزا.

المصدر: جريدة القدس العربي

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here