“الله أكبر” تخيفنا، ما الحل؟

79

شفقنا- بيروت- منذ دخول «داعش» من مكان ما ولأسباب قد لا نعرفها إلا بعد زمن طويل الى ساحات الاقتتال العربية والإسلامية، ومنذ تشجيعها من قِبل أطراف عديدين قد لا نعرف حقيقتهم إلا بعد زمن أطول، صارت عبارة «الله أكبر» ملازمة لذبح بريء هنا أو إحراق آخر هناك أو تهجير وإبادة جماعات تُذكّر بالإبادات الجماعية عبر التاريخ الأسود. صارت هذه العبارة المقدّسة مرافقة أيضاً لأبرياء هاربين من القصف والصواريخ والاقتتال. ما عاد القاتل يدرك معنى هذه العبارة، وهو على الأرجح لا يدركها أصلاً، لأنه قادم من فكر ظلامي وذاهب صوب عصور الجهل، ولا عاد القتيل يعرف لماذا الذي يقتله يبسمل ويحمدل قبل نحره.
مع احترامنا لكل الكتب والدراسات التي سعت إلى تحليل ظاهرة تفشي الإرهاب بأشكاله القاعدية او الداعشية او النصرتية، إلا أن ثمة سؤالاً لا بدّ من طرحه: ماذا لو أنه بعد سقوط القوميات وأفكار العروبة والاشتراكية واليسار والدكتاتوريات العسكرية والسياسية والإسلام الإخواني، يُراد الآن القضاء على الإسلام كدين؟ فحين يكبر الخوف من عبارة «الله أكبر» أي من أشهر وأبرز وأهم عبارات الإسلام، لا يعود الأمر مجرد طموح الى خلافةٍ، او سعي للانتقام من هذا النظام او تلك الدولة. الأمر أخطر وأعمق.
ليس مهماً ما اسم البــيدق المستــخدم في القضاء على الإســلام، الأهــم هـــي الصورة التي انتشرت كالنار في الهـــشيم، وبات معها كل مسلم إرهابياً حتى يثبت العـــكس، لا بل صار كل مسلم إرهابياً حتى لو أثبــت العكس….
لم يأت الجواب على مثل هذه الأسئلة من رجل دين أو سياسي محبّ او كاره للإسلام. صعدت الى منبر «منتدى الإعلام العربي» أمس في دبي، شابّة حسناء يغطي رأسها حجاب سموح، يحمل وجهها جمالاً عربياً ناعماً أصيلاً. تتقن اللغة العربية وفنّ الخطابة، صوتها الهادئ ملائم تماماً، وترفِق كلامــها بمعلــومات دقــيقة وإحصائيات وغرافيكــس وأفــلام فيديو قصيرة.
هي الأميرة أميرة الطويل (اسمها الكامل هو أميرة بنت عيدان بن نايف الطويل العصيمي العتيبي) سيدة أعمال سعودية اشتهرت بدفاعها عن قضايا المرأة ومكافحة الفقر والأمية. كانت زوجة الأمير الوليد بن طلال وتولّت الأمانة العامة لمؤسسته الخيرية. لا تزيد كل هذه التعريفات لها الكثير، فهي بدت أمس فــعلاً من تلك السيدات العربيات المدركات تماماً مصــائب ما وصلنا إليه، وسعت الى تقديم حلول تبدو معقولة ومقنعة.
قالت الأميرة وهي واقفة على المنبر أمام مئات الأشخاص من صحافيين وسياسيين ورجال فكر، إن «معنى كلمة «الله أكبر» يبدو حاضرًا بكل أبعاده العظيمة، لكن هل هذا المعنى يتجسّد بشكله الحقيقي لدى غير المسلمين في انحاء العالم، أم أنهم يرونه مختلفاً لديهم مع ترديد الإرهابيين لهذه الكلمة العظيمة مؤخراً خلال ارتكابهم أعمالاً إرهابية فظيعة لا تمّت إلى الإسلام بصلة»؟ ثم عرضت مشاهد فيديو لإرهابيين يحملون الأسلحة، ولأطفال ونساء هاربين من العنف والحروب والإرهاب ونسمع «الله أكبر» فوق رؤوسهم تصدح من بين الغبار والدمار. علقت عليها قائلة: «أنا مثل غيري ربما تتلبّد أحاسيسي عندما تصبح هذه المشاهد يومية».
الأهم في ما قالته هي الإحصائيات. شرحت أنها حين بحثت في يوتيوب عن عبارة «الله أكبر» باللغة الإنكليزية ظهر 50 فيديو تتضمّن استهزاءً او تظهر إرهابيين. أشارت الى دراسة حديثة أجريت ما بين 7 أيار/ مايو 2015 و 6 أيار/مايو 2016، أظهرت أن عدد مرات البحث عن كلمة إسلام ومسلمين بلغ 79 مليون مرة، منها 93% على «تويــتر» و3% على مواقع إخبارية و 3% على المنتديات و 1% على مواقع الإنترنت.
تبيّن من خلال تلك الدراسة التي أجريت على نحو 1000 شخص في أميركا أن 84% منهم أجابوا بالنفي على سؤال «هل صادفت وعملت مع أي شخص مسلم؟»، فيما أجاب 16% بالإيجاب، ورد 23% من المستــطلعين بنــعم على سؤال «هل لديك أي صــديق مسلم؟»، فيما رد 77% على السؤال نفسه بالنــفي، وردّ 10% منهم بنعم على سؤال «هل سبق لك أن زرتَ مسجدأ»، و أجاب 90% بالنفي على السؤال نفسه.
أظهرت الدراسة كذلك أن 12% أبدوا مشاعر سلبية تجــاه الإســلام، فيما أبدى 5% فقط مشاعر إيجــابية، 83 % أظهروا مشاعر محايدة.
تصل الأميرة الطويل الى نتيجة مفادها أن الغرب لا يعرف الكثير عن الإسلام، وان الصورة التي تصله اليوم تخيفه… هي لا تريد من الناس أن يدافعوا عن الإسلام، فهو ليس متهماً لكي يتم الدفاع عنه، وإنما تريد شرحه والاهتمام بصورته المشرقة ليصل بالطريقة الفضلى عبر القول والممارسة.
ما تقوله هذه السيدة السعودية، صحيح وجريء. لكنْ ثمة أمران كنا نتنمى أن تلفت اليهما، أولهما أنه لا بد من إعادة قراءة تأويلات النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة والمفبركة للاتفاق على صحيحها والتخلي عن المفبرك منها، لأن شجب هذا الطرف الإرهاب او ذاك لا يكفي، وثانيهما أنه لا بد من شرح الإسلام بمعانيه السامية وتقديم الصورة الحقيقية عنه في مجتمعاتنا قبل الذهاب إلى الغرب… فطالما أن المراد حالياً هو إغراق المــذاهب الإســلامية بحملات التكــفير والإلغــاء والحــروب وسفك الدماء والبسملة من القــاتل والقــتيل، فلا شك في أن عملية القضاء على الإســلام يتــولاها حاليــاً المســلمون او مدّعــو الإسلام قبل غيرهم.
مع ذلك، فإن مداخلة الأميرة الطويل تعتبر إنجازاً جريئاً من سيدة سعودية في هذه الأوقات الدموية التي يمرّ بها العرب والمسلمون، وتفتح النقاش على صورة الإسلام في يومنا.
كانت مداخلات اليوم الثاني والأخير من «منتدى الإعلام العربي» الذي حمل هذا العام عنوان «الإعلام، أبعاد إنسانية»، قد شهدت نقاشات مهمة ومفيدة حول حوار الحضارات، فقالت مثلاً شوبانا بارتيا، رئيسة مجموعة «هندوستان تايمز» الهندية، وعضو المجموعة الدولية لتحالف الحضارات أن العالم بعد أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة مرّ بموجة عالية من العنصرية أظهرت هشاشة التعايش السلمي، ولكننا اليوم وبعد هذه السنوات وبرغم التقدم الاقتصادي الذي شهدته بعض الدول مازلنا نرى بعض الحالات التي بحاجة إلى اندماج مثل بعض الأقليات في فرنسا وغيرها من الدول. أما وزيرة السعادة الإماراتية السيدة عهود الرومي، فقالت: «إن منطقتنا في أمسّ الحاجة إلى نشر الفكر الإيجابي المحفز على الإحساس بالسعادة وذلك في ظلّ تفشي الصراعات والتحديات التي ترسّخت بفضل انتشار قيم غريبة على مجتمعاتنا مثل التعصب وعدم التسامح، وهو ما أظهره تقرير السعادة العالمي 2015 والذي أكدت مخرجاته أن الشباب العربي تحت عمر 18 عاماً في المنطقة العربية يشعر بالتوتر والقلق أكثر من أي منطقة أخرى في العالم».
سامي كليب-صحيفة السفير

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here