ممثل البطريرك الراعي: الفكر العاشورائي حاجة لمحاربة الظلم والتعصب

830
شفقنا- بيروت- ألقى ممثل غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي المطران شكر الله الحاج كلمة في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى استهلها بالقول: جئنا حباً واحتراماً الى هذه الدار الدينية والوطنية العامرة والتي تفوح في آن معا بالكبر بالوداعة وترشح بالتقوى والشهامة وتتعطر بالتقوى والفضيلة، جئنا لنشهد معكم على عزة نفس صاحبها مقدرين كل التقدير دماثة اخلاقه وحصافة ارائه وحكمة افكاره مكبيرين جميعا مواقفه الوطنية الجامعة والموحدة دوما. وجئنا في هذه الليلة المباركة من عاشورراء لنزور معكم ايها الاخوة والاخوات الامام الحسين فنحيي معا استشهاده مجلين ذكراه العطرة التي تضيء على حاضرنا لنضفي على واقعنا اليومي والوطني والديني اجمل المعاني واحب القيم، ان الحدث الديني يخرج من سياق الزمن والمكان والتاريخ الذي جرى فيه ليطال المؤمن في واقعه المعيوش والاحتفال بعاشوراء لا يقتصر فقط على العودة بالذاكرة الى صور الماضي بقدر ما يرمينا في عمق حياتنا اليومية ومجرياتها والقيم التي يجب ان تحكمها، فالمريد للحسين يحي عاشوراء في كل مرة يتلمس ارادة الله ويعمل بها كصاحب الذكرى مع حرصه الدائم على التبرك من امامة والاقتداء به طوال نهاره. انطلاقا من هذا المعطى يعود المؤمن من ذكرى كربلاء اكثر روحانية واعمق ايمانا واكثر تمسكا بالحق عاملا في البر في يومياته ،اضف الى ذلك انه مع الامام المظلوم يزهر الحزن نجوى ودعاء وتغسل الدموع الاحقاد، اما اللوعة على استشهاد الحسين والحرقة على العذاب والسبي والقتل الذي اصاب الاولاد فيخلق تشبثا بقدسية العائلة وبدفئها الذي لا يعوض، وبأولوية الوفاق والتفاني بين افرادها في السراء والضراء، من هنا انتقل لاؤكد ان حدث عاشوراء يتخطى بمعانيه وبمدلولاته ماضي نشأته ليصبح شأنا حياتيا يوميا انسانيا عابرا للطوائف وللاديان.
ورأى المطران الحاج ان عاشوراء في الاساس حدث ايماني تتحول فيه الذكرى الى عبرة، وبذلك يصبح الماضي قوة للحاضر تفعل في حياة المؤمن اصلاحا مع الذات وصلحا مع الآخر وصلاحا امام الله، في الواقع الوطني فان مجالس العزاء التي نحييها سوية كلبنانيين في ذكرى موقعة كربلاء لا تربي فقط لدى المشاركين فيها روح المرؤة وتبعث في النفوس قوة الارادة والجهاد في سبيل اعلاء الحق والتمسك بالحقيقية، ولكنها ايضا تحثنا جميعا على التكاتف لرفع الظلم والانحراف وفضح الفساد والمفسدين، وفي محيطنا المباشر حيث يشارك المسيحي اخاه المسلم باحياء الذكرى وحيث يجلس المسلم السني بجانب المسلم الشيعي لتقبل التعازي باستشهاد حفيد الرسول وال البيت ويعلن على رؤوس الاشهاد، كما سمعت ذلك مرارا وتكرارا ان الحسين ليس للشيعة فقط ولكنه للسنة ايضا، فهذا يعني فيما يعني ان هناك ثقافة واحدة نستقي منها كلبنانيين، ورغبة قوية عند كل مواطن في احترام معتقدات الغير وتعزيز الصدقات العابرة للاديان وتعميق التآخي وتجذره، كما ان هناك جدية عند الجميع في ترسيخ الوحدة الوطنية وبناء الدولة الواحدة والعادلة والاحتفال بتحرير الارض والانحناء اجلالا لشهداء الجيش والمقاومة الذين حققوا لنا جميعا العزة والكرامة مسترجعين السيادة الكاملة على ارض الوطن، فالجميع اليوم يرون بالحفاظ على السلم الاهلي واللجوء الدائم الى الحوار لحل القضايا العالقة في سبيل ضمان استقرار لبنان وازدهاره والحفاظ على القيمة المشتركة. من هنا نستطيع ان نؤكد ان عاشوراء التي نحتفل بها في هذه الدار كما في سائر انحاء الوطن هي نافذة مشرعة على كل المذاهب والاديان في الوطن الصعب، وباب مفتوح على الدولة الضامنة والناظمة لاجتماعنا الوطني، فلا نستقوي بها ولا عليها بل نقويها ونقوى بها، من هذا المنظار نحن لا نكتب في عاشوراء بل هي تكتبنا فرديا وجمعيا، لانها تغدو فينا حضورا مشرقا وفاعلا كما تصبح ذكراها وعيا لحاضر وطني نصنعه بحب وبمودة ومستقبلا نستشرفه برجاء اكثر من ماضي نبكيه ونتحسر عليه.
وأردف… في الواقع الديني اسارع واقول انني هنا اسير بين النقاط سيما وانني اتكلم في دار المرجعية المسؤولة عن الشيعة في هذا البلاد، يخيل الي ان الالم العاشورائي تحول مع الايام الى رافعة تنتصر على واقع الحزن وقساوة الوجع العميق ليفتح البصيرة على اعماق الذات الداخلية، وهكذا جعلت المعاناة من الشيعة اهل الباطن والداخل، وقادت فيما قادت الى قراءة اكثر روحانية للدين فتحول الفاجع الى نور يضيء ونار تطهر جعلا من مريدي الحسين اهل التأويل والاجتهاد، وهذا كما نعرف جميعا يفتح الماضي على الحاضر المعاش ويشرع الحاضر على المستقبل فيقرأ الامور بعمق وتمعن مع الاخذ بالحسبان تحديات الزمن وضرورياته، فيُعمل على تمييز الجوهر عن العرضي، وبقراءة متهملة للواقع يسعى الفكر العاشورائي المنفتح ان يتجاوز التماهي مع الماضي متخطيا الاحقاد وروح الانتقام في سبيل بناء عالم فيه تراحم، لا بل تسود فيه المساواة والسلام، مجتمع تُنزع منه جرثومة الاستقواء وقهر الاخر. من هنا تتحول عاشوراء كما في الماضي الى رد على الفكر الواحد والرأي الواحد الذي يتجه حتما الى الانعزال والتقوقع ويولّد هويات ضيقة، لا بل قاتلة، تنفي الاخر المختلف، تكفرّه، تهمشه او تُلغيه.هذا الفكر، كما تحقق في الماضي القريب وكما يطالعنا كل يوم، مع من نسميهم الارهابيين الذين يستندون دائما الى مراجع دينية ولكنها مراجع قابلة للشك مضادة للقيم الانسانية البديهية التي ناضل في سبيلها الامام الحسين واستشهد من اجلها، وهكذا يصبح الفكر العاشورائي حاجة لمحاربة التطرف والتعصب والظلم كما هو حاجة لرفع الظلم واحقاق الحق.
وخلص المطران الحاج الى القول…وراء محاربة الظلم يسعى الفكر العاشورائي الصحيح الى بناء سلام حقيقي قائم على المساواة والشراكة بين المواطنين، وذلك لبناء انسان افضل، هذا الانسان الذي يسعى كما سعى الامام الى اصلاح الذات والجماعة والدين. من هنا اصبحت عاشوراء اليوم ارضا تعبق برائحة الانسان وتطمح بان تكون جسرا يصل بين الاطراف وبين المختلفين، كما انها تبغي فيما تبغي ان تؤسس لزمن جديد يراهن على الانسنة والانفتاح الديني لبناء مجتمع جديد يسقط الحواجز ويبني الجسور ويقرب القلوب، وهكذا نتحرر من خلافاتنا لنخلق فسحات مصالحة وتلاقي نطل من خلالها كلنا على غدنا ببركة وأمل كبير.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here