الرقة تنتظر تحريرها من الفيتو التركي: تهديدٌ بإغلاق الأجواء أمام واشنطن

121

شفقنا- بيروت- يحدث أن تتقاطع في «عاصمة» تنظيم «داعش»، في الرقة، تعقيدات المصالح المختلفة التي تحكم معارك الحرب السورية. تعقيدات الخندق الواحد، أو ما يفترض أنه كذلك، وأيضاً الخصوم الذين يقفون خلف أطراف الصراع المحلي. الأبرز هو الخلاصة التي نقلتها مصادر عديدة عن خلافات أميركية ـ تركية تمنع تحرير الرقة، إطلاق معركتها، لدرجة تلويح أنقرة بأنها لن تمنع فقط استخدام قواعدها العسكرية، بل اجوائها. في مستوى آخر، تلفت مصادر إلى «إيجابية» قبول طهران صراحة بمحطة هيئة الحكم الانتقالي في سوريا، للمرة الأولى منذ انخراطها في مجموعة العمل الدولية.
المحطة الأبرز التي عكست تلك الحساسيات كانت اجتماع وزراء خارجية الحلف «الأطلسي»، الاسبوع الماضي، في بروكسل. التناقضات الناجمة عن الخلافات مع أنقرة كانت حاضرةً في كل مكان، على كل منبر، حتى داخل الدائرة الأميركية نفسها. صحيح أن الولايات المتحدة تقف بلا منازع خلف دفة قيادة «الأطلسي»، كذلك بالنسبة لـ «التحالف الدولي ضد داعش»، لكن كل ذلك لا يحجب أن تركيا تحظى بوضع خاص لكون الجبهة السورية تشكل مسألة «أمن قومي مباشر».
تهديد تركي وتهميش أميركي
بعض من واكبوا الاجتماع تحدثوا عن أجواء مشحونة. مصدر ديبلوماسي كان حاضراً هناك يقول لـ«السفير» إن «تركيا وضعت فيتو على إطلاق معركة الرقة بقوات يتقدمها الأكراد»، قبل أن يلفت إلى أن «الأتراك يهددون بأنهم سيمنعون استخدام القواعد العسكرية التركية، وسيقومون بمنع استخدام مجالهم الجوي لدعم أي تحرك عسكري ضد مصالحهم».
حين سؤاله إن كانت واشنطن استطاعت إلزام أنقرة بأولوية محاربة «داعش»، غادر المصدر اللباقات الديبلوماسية، مع العلم أنه من دولة تدعم انخراطاً أكبر لـ «الناتو» في محاربة «داعش»، الأمر الذي لقي دائما صداً وتحفظاً تركيين. يقول الديبلوماسي متحدثاً عن أولويات أنقرة إنه «مثلما فعلوا سابقاً، اليوم لا يظهرون أي رغبة في توجيه الجهود لأولوية محاربة داعش. تركيا هي من صنعت داعش». يتوقف لحظة قبل أن يستدرك خشونة ملاحظته الأخيرة: «بشكل ما، هم من صنعوا داعش».
طار الحلف إلى افغانستان بهدف تعقب وهزيمة «الارهاب»، لكنه لم يتحرك جدياً أمام وجود حدود مفتوحة مع «داعش» في تركيا. لم يغيّر في ذلك الصراخ السياسي الأوروبي بعد الهجمات الارهابية التي ضربت باريس وبروكسل، مع أن المهام الأساسية للحلف حراسة أمن أوروبا أيضاً. وراء كل ذلك، كانت تقف معارضة تركية صلبة، معززةً الخلاصة بان كيفية خوض المعركة، بمن ولأجل من، تتقدم على أولوية هدف تحرير الرقة.
تلك التباينات الأطلسية انعكست في التصريحات الرسمية. قبل يوم من اجتماع الوزراء، كان السفير الأميركي لدى «الناتو» دوغلاس لوت، يستفيض في الحديث عن عدم وجود الحاجة العملية لانخراط «الأطلسي». حينما سألته «السفير» عن الفجوة المفتوحة بين حدود «الناتو» التركية ومناطق «داعشية»، شدد على أن «هذه المسألة ليست من اختصاص الناتو، الناتو لا يحارب داعش في تلك المنطقة أو في أي منطقة أخرى في سوريا»، مردداً أن «الأمر يخص التحالف الدولي».
لوت هو رجل ديبلوماسي على احتكاك يومي مع الحساسيات داخل «الأطلسي» تجاه المسألة. لكن بالنسبة لرب عمله الأمر مختلف، لكونه يتعلق بأهداف أكثر اتساعاً، وبالتالي أقل اكتراثاً بتلك الحساسيات. الحديث يدور عن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، بعدما خرج ليحتجّ بأن «الاطلسي» يتحرك وفق أولويات بلاده، مهمّشاً حساسيات تركيا.
قال كيري مشيراً إلى الحرب على «داعش» إن «هذه معركة التزمنا جميعاً بأن نفوز بها، والناتو يجب أن يكون جزءاً من ذلك»، قبل أن يضيف أنه «سيكون موقفاً لافتاً لحلف الناتو أن تكون هذه القدرة والإمكانية التي لديه متنحية جانباً في معركة تحتاج مشاركة الكثيرين».
الخلافات ظهرت سابقاً بشكل كاريكاتوري. قبل أشهر، وافقت دول «الأطلسي» على انخراط أكبر له لدعم «التحالف الدولي ضد داعش»، تحديداً عبر توفير طائرات «أواكس» التي تعمل كمركز للتحكم والقيادة. التحفظات التركية جعلت الأمر يُطّبق بهذا الشكل: لم يرسل «الناتو» طائرات أواكس إلى الأجواء السورية، بل كي تغطي مهام طائرات «أواكس» أميركية أخرى، تعمل في مناطق مختلفة، لتقوم الأخيرة بالتوجه إلى الميدان السوري.
بعد أشهر من تلك المسرحية، تعود واشنطن لتقول الآن إن هذه اللعبة يجب أن تنتهي. أكد كيري أن «الناتو» عليه تقديم مساهمة مباشرة في ميدان المعركة السورية، إضافة لمهام أخرى متعددة، وفق ما اعتبره «دوراً تكميلياً» في التحالف الدولي. إضافة لتلك المهام المطلوبة من «الأطلسي»، اعتبر الوزير الأميركي أن «الناتو لديه القدرة على تقديم المعلومات الاستخبارية. هناك إمكانات وقدرات طورها الناتو لتتبع الارهابيين، تحديد من هو الارهابي في العمليات على الأرض، والمساعدة في إبلاغ قادة المعركة».
المعركة بانتظار القرار السياسي
ليس أدلّ على حساسيات أولئك «الحلفاء»، كما سخرت موسكو مرة، من تخيير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واشنطن بين التعاون معه أو مع «الارهابيين». كان يشير إلى قوات الحماية الكردية، الكتلة الساحقة في «قوات سوريا الديموقراطية» التي تدعمها واشنطن في الشمال السوري. التحدي الأكبر للمصالح التركية كانت الزيارة التي قام بها الجنرال جوزف فوتل، قائد القوات المركزية في الجيش الأميركي، إلى شمال سوريا قبل أيام، للوقوف على الدعم المقدم للقوات الكردية وحلفائها، تجهيزاً وتدريباً.
لكن الخطوة على رمزيتها الكبيرة، خصوصاً لجهة الخلافات مع أنقرة، بقيت تردد صدى الحديث عن عدم وجود قرار سياسي لتحرير الرقة. رغم الهالة حول الزائر السريّ، لم يمانع طلال سلو، متحدث باسم «قوات سوريا الديموقراطية»، في القول لصحافيين أميركيين، إن دعم واشنطن العملي «شحيحٌ جداً»، ليخلص إلى أن استمرار ذلك سيعني أن المعركة السورية ضد «داعش» ستتواصل «50 سنة أخرى».
هنا يؤكد قيادي معارض، قريب من أنقرة، أن خلافات «الحلفاء» هذه تلعب دوراً حاسماً في إطلاق معركة الرقة. قال لـ«السفير» مبرراً التحفظ التركي إن «القوات التي تجهزها واشنطن الآن معظمها من الأكراد، وبالتالي فإن دخولهم إلى الرقة ربما يخلق مشاكل إضافية نظراً للحساسيات المعروفة مع العشائر العربية هناك»، قبل أن يشدد على أنه «لتحرير الرقة لا غنى عن ترك مهمة دخولها لقوات عربية».
قلل المصدر من الحديث عن تحصينات «داعش» في الرقة، باعتبارها تؤخر تحريرها، مشدداً على أن وضع التنظيم كما يعرفه محاربوه أقرب إلى دعوات: تعالوا إهزموني. لفت إلى أن «ما يتم تجاهله كثيرا هو أن الحملة الجوية أثرت بشكل كبير على قدرات داعش»، قبل أن يضيف: «لقد بات مضعضعاً بشكل كبير». أما إن كان الأمر ينتظر بالفعل قراراً سياسياً فقط، ردّ مؤكداً بلهجة ساخرة أن «سوريا كلها تنتظر قراراً سياسياً».
قيادي معارض من تحالف سياسي آخر أكد تلك الخلاصات أيضاً. لفت إلى التشدد الأميركي الكبير في تسليح قوات معارضة سورية على طريقة التدقيق المحاسبي. نقل عن قادة فصائل على اتصال معه: «يمدونهم بالذخيرة على نحو أسبوعي، ليس كل شهر بل كل أسبوع، يقدمون لهم مثلا عشر قذائف هاون، إذا طلبوا شحنة أخرى يقولون لهم: دعونا نرى أين ذهبت الشحنة السابقة. يريدون صوراً تؤكد إطلاق كل قذيفة والهدف الذي أصابته».
ولكن ماذا خلف موافقة إيران على هيئة الحكم الانتقالي؟
مظلة الخلاف الأكبر حول تحرير الرقة تبقى وجهة الحل السياسي السوري، فمصالح اللاعبين الكبار لم تَرْسُ بعد على صفقة شاملة. آخر التطورات على هذا الصعيد كان ما حدث في اجتماع فيينا الأخير، لـ «المجموعة الدولية لدعم سوريا»، التي تضم مختلف اللاعبين الدوليين والاقليميين. شهد الاجتماع موافقة إيران، للمرة الأولى، على إدراج تسمية «هيئة الحكم الانتقالي» بوصفها محطة أساسية يجب أن تعبر بها العملية الانتقالية. تلك النقطة كانت أبرز تحفظات طهران على بيان جنيف.
مصادر حضرت الاجتماع أكدت أن ذلك مثّل «تطوراً إيجابياً» في موقف طهران. هذا ما قاله لـ «السفير» مسؤول أوروبي رفيع المستوى كان جالساً على طاولة فيينا. اعتبر أن «هناك اشارات ايجابية، الأمور تتحرك، هذا رأيناه في البيان الختامي، لكن ليس لدرجة يمكننا القول إن هناك اتفاقاً كاملاً مع روسيا وإيران حول شكل الانتقال السياسي».
بيان فيينا أورد «هيئة الحكم الانتقالي» في موضعَين. مشدداً على تلك الحيثية، أكد البيان على أن «الاطراف قبلت أن الانتقال السياسي سيتم الاشراف عليه من قبل هيئة حكم انتقالي سيتم تشكيلها على أساس التوافق المتبادل وتناط بها السلطات التنفيذية كاملة لضمان استمرار المؤسسات الحكومية».
الأوروبيون كرروا أمس تلك الخلاصة في بيان فيينا، خلال استعراض وزراء خارجيتهم لاستراتيجية مواجهة «داعش». ديبلوماسي أوروبي آخر مواكب للملف قال إن «روسيا وإيران أرادتا إظهار رغبة لأنهما تعرفان أن استمرار الأمور على المنوال ذاته لن يقود إلى أي مكان»، قبل أن يستدرك «لكن إظهار الرغبة لا يعني أن هناك تحولاً جوهرياً في موقفيهما».
وسيم ابراهيم-صحيفة السفير

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here