“روضة الشّهيدين”: مقبرة للتّاريخ

2983

شفقنا- بيروت- كلُّ شيءٍ هنا مختلف. تُرى هل هذا ما يبدو عليه الشّهيد؟ هل مصدرُ ذاك اللّاوضوح هو مئاتُ الشّهداء والمظلومين وضحايا القنص الّذين يقبعون في هذه الأرض؟ من البعيد، تنصهرُ القبورُ في واحد. تتبدّدُ التّقسيمات الّتي حدّدها تاريخ «روضة الشّهيدين». تتداخل أقسام موتى وشهداء «حركة أمل» مع المدفن المسيّج لأبناء الطّائفة السّنّية في الغبيري. لا يُستثنى من الدّمج المدفنُ المُسيّج لعموم أهالي الغبيري، ولا حتّى ضريح الشّيخ محمّد مهدي شمس الدّين.
بخطًى حذرة أتابع السّير. التّنقّل في أرضٍ تحمل تاريخاً عمره واحدٌ وأربعون عاماً يحتاجُ إلى التّريّث. غريبٌ كيف أنّ الموتَ الّذي يقتلُ المكان، يُحييه في آن. على الرّغم من يقيني أن لا إمكانيّة لإضفاء الحياة على المنصهرين مع الأرض، الأشياء هنا تخالفُ المنطق. مع كلّ خطوة أخطوها، تبدأ القبور باتّخاذ هويّة. تتفتّتُ الوحدة لتحاكي واقعاً نعيشُه. في لحظة، يخرج الرّائد في الجيش اللّبنانيّ الشّهيد أمين علي قاسم من قبره. يتحدّث عن عمليّة اغتياله في العام 1986. يستذكرُ زميلَه في الجيش الرّقيب أوّل عفيف العاكوم. «أبو الأولاد الثّمانية» الّذي استُشهدَ في بسابا في التّاريخ نفسه. يحكّ بإصبعه طرف ذاكرة. يُعيد سرد صراعاتٍ توقّفت عنده في نيسان الـ86. يلوحُ إلى ذاكرته حديث «القّوات اللّبنانيّة» في ذلك اليوم عن مسوّدة مشروعٍ سياسيّ يكون مقبولاً لمحادثات سلامٍ مباشرة بين المسيحيّين والمسلمين. يرى أمامه نائب رئيس الهيئة التّنفيذيّة في «القّوات» يومها كريم بقرادوني وهو يؤكّد أنّ حزبه ليس في وارد تجديد ارتباطاته السّابقة مع إسرائيل. شيءٌ ما يعتصرُ في قلب الشّهيد وهو يستذكر.
بيدها اليُمنى تحملُ علبة الدّيمول. وبالأخرى تُمسك برزمة أوراق. ليلةَ استقرّت في الرّوضة، كانت نايفة النّجّار قد اتّخذت قراراً حاسماً: لن أعيشَ من دون ولدي علي. استدعى القرار جرعةً واحدة. جرعةٌ واحدة، كانت كفيلة برحيل والدة المفقود في الحرب الأهليّة علي حمادة إلى مكانٍ آخر. على قبرها تجلسُ بهدوء. تأبى الاستغناء عن علبة الموت، ورسالة الحياة، تلك الرّسائل الّتي كتبتها له في آخر أيّام حياتها. نشرتها في «السّفير»، علّ طفلَها يراها إذا ما عادَ يوماً..
في «الشّهيدين» تُثقلني الحكايا. هنا، مقبرةٌ تعجّ بالمظلومين. هنا، شهداء قضوا قنصاً وهم يقطعون الطّريق عساهم يحصلون على رغيف خبزٍ للعائلة. في الظّاهر، القبور مُتشابهة. لا تمايزَ بين الجار وجاره. وفي الباطن، تتعدّد روايات الموتى. ربّما يكون وجهُ الشّبه الوحيد: الضّعف والاستغلال. في هذه الأرض الكثير من إبراهيم جابر، من علي جابر، من هلال دخل الله. من أناسٍ قضوا برصاص القنص على طرقات المحاور. شارع مارون مسك في الشيّاح لم يكن سوى واحدٍ من عشرات تلك الطّرقات.
من الصّعب تقبّل فكرة أنّ مساحة الموت هذه كانت عبارة عن غابة كثيفة من أشجار الصّنوبر، تصدحُ فيها أصواتُ صغارٍ يلعبون الكرة. كانت هناك ملاعبُ كرويّة صغيرة في الأرض التّابعة عقاريّاً إلى العاصمة بيروت. بل الأصعب تخيّل أنّ مكان القبور كانت هناك خيولٌ تسرح.
وأنا أطالعُ تفاصيل المكان، تتراءى إلى مخيّلتي كلّ هذه المشاهد. تتسلسلُ بهدوء. لا يقطعُها سوى قبرين اثنين بدأ معهما كلّ شيء. «مصطفى ومهدي هاشم». شقيقان قُتلا مطلع الحرب الأهليّة في القسم الشّرقيّ من بيروت. بعد رفض أهالي الغبيري السّماح لأهل الشّابين (14 و16 عاماً) بدفنهما في «جبّانة الشّيّاح» حدث جدلٌ كبير. لكنّه لم يطُل. حسمه بعض الفاعلين على الأرض من أبناء الغبيري. وبخطواتٍ لا تحمل التّأجيل، أزيلت بوّابة الحرش، ودُفن الشّهيدان خلفها، لتحمل الرّوضة اسميهما.
ومن هنا، تبدّلت الأمور
لا يُمكن الحديثُ عن الرّوضة من دون ذكر اسمه. كان للسّيّد موسى الصّدر الأثر البالغ في تحديد هويّة الرّوضة. بعد صلاته على ثلاثة شهداء سقطوا في انفجار عين البنيّة البقاعيّة، أعلن الصّدر التّسمية. «روضة الشّهيدين»، دامجاً بذلك بين اقتراحين قدّمهما الحاج حيدر عوّاد والشّيخ سلمان الخليل. «جنّة الشّهيدين»، و«روضة الزّهراء»، فكانت «روضة الشّهيدين».
أتعثّر بشيء، فأقع أرضاً. أرفع رأسي لأجدني أمام قبرٍ مضعضع. محفورٌ عليه لقب «عميد العائلة». في عيد مولده المئة، كنتُ أبلغ من العمر عاماً واحداً. عبد الحسين أحمد لوباني، وُلد عام 1892، توفّي عام 1984. هذه المقبرة تحضنُ رفات أناسٍ شهدوا أحداثاً كثيرة، وكثيرةً جدّاً.
مدفنٌ للتّاريخ
«روضة الشّهيدين» مكانٌ للتّأمّل. قاعاتُه الكبيرة، مساحةٌ للتّسمّر والغوص. ببطءٍ شديد، أدخلُ المدفن. أُدركُ جيّداً أنّي ألجُ مكاناً سوف يُصبح علامةً فارقةً في التّاريخ. على هذه البقعة الصّغيرة، يوجدُ رفاتُ مجموعةٍ حملت مبادئ غير اعتياديّة. في هذه القاعة الصّغيرة، يرقدُ اثنان من القادة الّذين لطالما حيكَت حولهم الرّوايات، وفشلت. يرقُد اثنان من الرّجال الّذين تربّعوا على رأس لوائح المطلوبين. يرقدُ اثنان من الرّجال الّذين أرعب اسمهم الكثيرين، ولا يزال. «عماد فايز مُغنيّة»، «مصطفى بدر الدّين»، أو «الياس فؤاد صعب»، أو حتّى «سامي عيسى». مصطفى أحدث الرّاحلين. مهما كانت توجّهاتك وآراؤك، ستقفُ أمام ضريح الأخير. ستتأمّل كثيراً. ليس الرّجل اعتياديّاً. ومهما حيكت حوله القصص، فلن يُصبح كذلك.
على حجرٍ واحدٍ يقبع اسمان: عماد فايز مغنية، جهاد عماد مغنيّة. في الرّحيل، ينصهر الاثنان. الأب والابن. في الحياة، اختارا طريقاً واحدة. وفي الموت كذلك. آمنا بها. سارا بها، فكان لهما المصيرُ عينه.
عادةً ما تكونُ ملامح الشّهيد ضائعة. مع أوّل رصاصة، تبدأ بالوضوح. تتّجه نحوه الأصابع: «كنّا نعرفه»، تقول الألسن. «حزب الله» اختار «روضة الشّهيدين» كي تكون محطّ رحيل شهدائه. وعلى رغم المساحة الصّغيرة الّتي لا تزيد على الـ400 متر مربّع، لا تزال المساحة شاسعةً أمام من «ينتظر» من أبناء الحزب. في القاعة الصّغيرة، الملامحُ مفاخرة. قبورٌ ترتفعُ عليها صورُ الشّهداء، وكلماتُهم.
بعضُهم لا ملامحَ لهم. قاوموا مجهولين، استُشهدوا مجهولين، دُفنوا مجهولين. أكثر من ستّة قبورٍ مجهولة الهويّة. «شهيد عمليّة علمان الشّومريّة»، التّعريف الوحيد المُتوفّر عن صاحب القبر. هم مجهولو الهويّة، معروفو الوجهة: القتال في وجه العدوّ الإسرائيليّ.
على قبرٍ واحد اسمان اثنان: ظريفة أسعد حيدر، توفّيت عام 2014. حسن زراقط، استُشهد عام 1987. بعد 27 عاماً، اختارت الوالدة الرّقود إلى جانب ابنها.
ليست «روضة الشّهيدين» مقبرةً عابرة. هي ثقافة. اختارَها أبناء المقاومة، المظلومون، مَن يحملون نهجاً يسيرون به. في الرّوضة ورش بناءٍ لمرافق ومعاهد وحوزات ومدارس وحسينيّات، انطلقت بقوّة منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. فيها حوزةٌ دينيّة بُنيت عام 1981، و «المعهد الفنّي الإسلامي»، و«مسجد الإمام الصّادق». في الرّوضة ترسّبات موتٍ كثير، وفيها أيضاً ملامحُ للحياة.
في الرّوضة تناقضات: أشخاصٌ مجهولون قضوا عن طريق الخطأ أو دفاعاً عن شيءٍ ما، ورجالٌ سوف يحكي عنهم التّاريخ.
قُبيل مغيب الشّمس، أرحل، وفي مخيّلتي أمنيةٌ واحدة: ألا يتعرّض هذا «المعلم التّاريخي» لأيّ تشويهٍ في الأيام المقبلة.
زينب سرور-صحيفة السفير

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here