خاص- هل كان نشر خريطة لبنان عبر الخارجية الإسرائيلية خطأً عابراً ؟

42

شفقنا-بيروت-
في ظل التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة، يُثير قيام وزارة خارجية الاحتلال بنشر خريطة للكيان المحتل تضم مناطق من جنوب لبنان إليها، لتبادر لاحقًا إلى سحبها من التداول بعد موجة اعتراض لبنانية واسعة. لكن تساؤلات كثيرة حول الدوافع الحقيقية خلف هذه الخطوة وأبعادها، هل هي خطأ عابر أم هناك ما هو أبعد من ذلك؟

وفي هذا السياق رأى أستاذ القانون والعلاقات الدولية، الدكتور محمد عيسى، أن هذا التطور لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة انتهت بمجرد سحب الخريطة، بل يتجاوز حدود النشر الإلكتروني ليمثل إشارة سياسية تستدعي الاستنفار والدراسة.

​وأوضح عيسى أن إصدار خريطة بهذا المضمون عن مؤسسة رسمية بحجم وزارة الخارجية، وفي ظل استمرار التوتر الميداني والمسار التفاوضي حول الوضع في الجنوب، يحمل أبعادًا سياسية واضحة، فرغم أنها لا تنشئ من الناحية القانونية أي حق إسرائيلي في الأراضي اللبنانية ولا تحوّل الاحتلال إلى سيادة، إلا أن قيمتها الفعليه تكمن في محاولة تثبيت تصور إسرائيلي جديد للواقع الجغرافي والأمني، ورفع سقف المطالب قبل بدء المفاوضات أو أثنائها.

​وحذّر عيسى أن أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذه الخطوة هو انحراف المسار التفاوضي تدريجياً، بحيث يتحول البحث من كيفية انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية إلى التفاوض على حجم المنطقة التي يمكن أن تحتفظ بها داخل لبنان، بذريعة “الاحتياجات الأمنية”، وهو تحولٌ خطير ينبغي على لبنان منع تكريسه بكل الوسائل.

​وفي ما يتعلق بسحب الخريطة من التداول، أكد عيسى أن هذا الإجراء لا يعني بالضرورة أن الرسالة قد سُحبت معها، فقد يكون السحب نتيجة ضغط سياسي ودبلوماسي، أو تراجعاً تكتيكياً بعد أن حققت الرسالة هدفها الأول ووصلت بالفعل إلى دوائر القرار في لبنان. ومن هنا، رأى أنه يجب التعامل مع مضمون الخريطة باعتباره مؤشراً يستحق التوثيق والمتابعة المستمرة.

​وعلى الرغم من أن الخريطة وحدها لا تكفي للقول إن إسرائيل تستعد لعملية عسكرية جديدة، إلا أنها بحسب عيسى تشكل جزءاً من تهيئة سياسية ونفسية وميدانية لمرحلة أكثر تشدداً، لا سيما إذا ترافقت مع تغيرات في الانتشار العسكري، أو إنشاء مواقع وتحصينات ميدانية جديدة، مشيرًا إلى أن الخطر الحقيقي هنا يكمن في أن تفرض إسرائيل واقعاً جديداً على الأرض، ثم تدخل إلى التفاوض مطالبةً بتثبيته باعتباره ضرورة أمنية.

​أمام هذا المشهد، دعا الدكتور عيسى الرسميين في لبنان إلى التعامل مع الخريطة باعتبارها “وثيقة سيادية”. مشددًا على ضرورة تحرك وزارة الخارجية اللبنانية لتوثيق الحادثة رسمياً وتسجيل اعتراض صريح لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، للـتأكيد على أن أي تصوير للأراضي اللبنانية باعتبارها جزءاً من الكيان هو أمر مرفوض مطلقاً ولا يرتب أي أثر قانوني.

​وأضاف عيسى أن الفرصة متاحة أمام لبنان لتحويل هذه الخطوة من ورقة ضغط إسرائيلية إلى ورقة تفاوضية لبنانية، إذ يمكن للجانب اللبناني استخدامها أمام المجتمع الدولي لإثبات أن إسرائيل لا تكتفي بطرح ترتيبات أمنية، بل تحاول إعادة تعريف الواقع الجغرافي، مع التأكيد الموازي على أن التفاوض محصور بالترتيبات الأمنية وآليات تنفيذ الانسحاب والضمانات الدولية، ولا يمكن أن يمس السيادة اللبنانية.

​وفي ما يخص الشأن الداخلي اللبناني وبناء موقف موحد في ظل الانقسام السياسي الراهن، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية أنه ليس من الضروري الوصول إلى إجماع كامل على جميع التفاصيل السياسية، بل إن المطلوب هو الوصول إلى إجماع صلب على “قواعد التفاوض”.
​وأشار إلى أن اللبنانيين قد يختلفون حول جدوى التفاوض أو توقيته، لكنهم مطالبون بالاتفاق على ثوابت أساسية يتسلح بها الوفد المفاوض، وفي مقدمتها أن السيادة والحدود الوطنية ليستا موضوعاً للنزاع أو المساومة، وأن أي ترتيبات أمنية يجب ألا تتحول إلى احتلال دائم أو منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية.

وختم الدكتور عيسى بالإشارة إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خريطة نُشرت ثم سُحبت، بل في أن تتحول الخريطة إلى فكرة، والفكرة إلى واقع ميداني، والواقع الميداني إلى ورقة تفاوضية تمهيداً لفرضه كأمر واقع، لافتًا من هذا المنطلق، إلى أنه ينبغي أن تكون الرسالة اللبنانية إلى العالم حاسمة: لبنان يفاوض على آليات الأمن وإنهاء الاحتلال، لكنه غير مستعد إطلاقاً للتفاوض على حقه المطلق في أرضه أو على شرعية أي واقع يُفرض بالقوة.

مكتب بيروت – شفقنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here