دراسة تكشف كيف يُجبر التوترُ الدماغ على ترتيب أولويات الذكريات!

12

اكتشف باحثون أنّ الدماغ يتعامل مع الذكريات بشكل مختلف عندما نمرّ بمشاعر سلبية قوية، إذ يركّز على تخزين التفاصيل الأساسية والمهمة، لكنه يتجاهل المعلومات الجانبية والبيئة المحيطة.

فالدماغ هو الآلة التي تدرك وتحلّل وتصنّف وتخزّن ذكرياتنا، لكن لا تخزّن جميع التجارب بالطريقة نفسها، خصوصاً عندما نكون تحت ضغط أو توتر عاطفي، بحسب ما ذكره موقع  News Medical.

وفي دراسة جديدة، وجد الباحثون من جامعة كاتالونيا المفتوحة في إسبانيا أنّ المشاعر السلبية تساعد على ترسيخ المعلومات المركزية والجوانب الرئيسية للتجارب، لكنها تقلل من تذكّر السياق والبيئة المحيطة.

ولاختبار ذلك، ابتكر الفريق محاكاة لمطار افتراضي، حيث تولى المشاركون أدوار موظفين عند بوابتي صعود، وكانت مهمتهم العثور على ركّاب محدّدين في الحشد من خلال التحقّق من أسمائهم ووجوههم. وقام بعض المشاركين بالمهمة تحت ضغط مرتفع لفترة طويلة، بينما قام بها آخرون في حالة عاطفية محايدة.

ووجد الباحثون أنّ المشاركين الذين تعرّضوا لمشاعر سلبية شديدة تذكّروا أسماء ووجوه الركاب بدقة أكبر ولوقت أطول مقارنة بالمجموعة الأخرى. لكنهم في المقابل، لم يتذكّروا الموقع الدقيق لكلّ راكب، لأنّ هذه المعلومة لم تكن ضرورية لإنجاز المهمة.

الدماغ يحدّد أولويات المشاعر تجاه الأشخاص

وفي هذا السياق، أوضح ألفارو باستور، أحد مؤلفي الدراسة: “عند التعرّض لمشاعر سلبية شديدة، لا يركّز الدماغ بشكل أعمى على ما يثير المشاعر الأكبر، بل يحدّد استراتيجياً الأولوية للجانب الأكثر صلة بهدف الشخص المباشر”.

ويشرح الباحثون أنّ نشاط الدماغ يستهلك طاقة كبيرة، وعند التعرّض لعاطفة قوية، لا يستطيع تذكّر كلّ شيء بالتساوي، فيلجأ إلى “تحديد أولويات ديناميكية” للذاكرة، حيث يوجّه موارده نحو تكوين ذاكرة محدّدة. فالدماغ لا يعزّز الذاكرة كاملة ولا يثبطها، بل يضبط عمليات الربط بين العناصر. بعض العمليات تربط عناصر منفصلة مثل الوجه والمكان، بينما تدمج أخرى عناصر مختلفة مثل الوجه والاسم، وعند التوتر، يميل الدماغ إلى تفضيل النوع الثاني الذي يدمج المعلومات.

وبدوره يؤكد بيير بورودين-كريتز، الباحث المشارك في الدراسة، أنّ هذا التفضيل لبعض الذكريات في المواقف السلبية ليس عيباً، بل تكيّف مفيد، ويقول: “عند مواجهة موقف شديد التوتر، من الطبيعي ألا تتذكّر تفاصيل معيّنة من السياق. وهذا لا يعني أنّ الذاكرة كاذبة أو غير موثوقة، بل يعكس طريقة عمل الدماغ تحت الضغط”.

نسيان التفاصيل لا يعني أنّ الذكريات معيبة

هذه النتائج تحمل رسالة مطمئنة، وهي أنّ نسيان تفاصيل معيّنة بعد تجربة صادمة أو مرهقة لا يعني أنّ الذكريات معيبة أو مختلقة.

يفتح هذا الفهم آفاقاً واسعة للتطبيقات العملية في مجالات متعدّدة. ففي التعليم، يمكن تصميم بيئات تعلّم تشجّع على التفاعل الإيجابي بدلاً من القلق. وفي القضاء، يمكن تجنّب استجواب الضحايا الذين لا يتذكّرون أحداثاً معيّنة. وفي الرعاية الصحية، يمكن إعادة خلق الأحداث الصادرة أو المواقف التي تثير الرهاب تحت ظروف مسيطر عليها. كما يمكن استخدامه في مجالات الطيران والطوارئ والبنى التحتية الحيوية، حيث قد يؤدي الخطأ تحت الضغط إلى عواقب وخيمة.

ويشير الباحثون إلى أنّ استخدام الواقع الافتراضي كان مفتاحاً لهذه النتائج، إذ يتيح إثارة المشاعر بطريقة مستدامة ودراسة التفاعل بين العواطف والذاكرة في ظروف واقعية، ما يساعد في تطبيق النتائج على احتياجات الحياة الحقيقية بشكل لم يكن ممكناً بالطرق التقليدية.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here