خاص شفقنا- بيروت-
في خطوة تعكس الأهمية التاريخية والثقافية للتراث اللبناني، أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) مدينة صور الأثرية، إلى جانب قلاع جبل عامل الخمس (الشقيف، تبنين، دوبية، دير كيفا، شمع)، على لائحة التراث العالمي المعرّض للخطر، في ظل التهديدات “الإسرائيلية” والأضرار التي طالت هذه المواقع نتيجة الحرب الأخيرة, ويهدف هذا الإدراج إلى تعزيز الجهود الدولية الرامية إلى حماية هذا الإرث الحضاري الإنساني وصونه للأجيال القادمة، وتوفير الدعم اللازم للحفاظ على قيمته التاريخية.
الأستاذة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية الجامعة اللبنانية ورئيسة قسم الفنون والآثار الفرع الخامس الدكتورة مهى المصري، وفي حديث خاص مع وكالة “شفقنا”، رأت أنّ هذا القرار لم يأت وحده وبمجهود خاص لمنظمة اليونسكو, وإنّما هو مجهود متراكم لفريق عمل متناسق يضم كل من مسؤول مكتب المديرية العامة للآثار في مدينة صور د. علي بدوي ومجموعة العاملين ضمن هذا المكتب وبدعم وتوجيه من المديرية العامة للآثار بإدارة المهندس سركيس خوري وبمتابعة وزارة الثقافة الممثلة بالوزير الاستاذ غسان سلامة.
وقالت: “من هنا بدأت قصة إدراج قلاع جبل عامل التي جوبهت بضغوط سياسية ولكن المسار النهائي تم باتخاذ قرار بالإجماع بإدراج آثار مدينة صور وقلاع جبل عامل الخمس: الشقيف، تبنين، شمع، ديركيفا، ودوبية، على لائحة التراث العالمي المهدّد بالخطر، خلال الدورة الـ48 للجنة التراث العالمي (منظمة UNESO) في بوسان بكوريا الجنوبية، ويحمل هذا القرار تأثيرات قانونية، وسياسية، وفنية مباشرة لحماية هذا الإرث الحضاري”.
ومن هذه التأثيرات أنّ الإدراج يوفر إطاراً قانونياً ودولياً مشدّداً يفرض على أطراف النزاع تجنب استهداف هذه المواقع، وإتاحة فرض عقوبات وملاحقات قضائية دولية في حال عدم احترام الحماية الممنوحة لهذه المعالم بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954، ويسهم القرار في إلزام القوى الدولية بالضغط على “إسرائيل” أو أي طرف آخر معتدي لمنع استهداف المواقع الأثرية في صور وجبل عامل، والدعم المالي والترميم الطارئ كتأمين تمويل وصيانة طارئة من صندوق التراث العالمي، وإرسال بعثات فنية دولية بالتعاون مع المجلس الدولي للمعالم والمواقعICOMOS لتوثيق الأضرار، وترميم الأطلال المتصدعة جراء الغارات، ولفت أنظار المجتمع الدولي على المعالم التي تعرّضت لأضرار بالغة (مثل تدمير أجزاء من قلعة شمع، وتضرر قلعة الشقيف ومحيط آثار صور)، كما يعتبر اعترافاً دولياً بالقيمة الاستثنائية لهذه المواقع، بحسب المصري.
وعن حجم الضرر الذي لحق بالمواقع قالت المصري:

1. آثار مدينة صور البص وآثار المدينة
فقد أدت الغارات الجوية العنيفة على المدينة إلى إصابة مدخل الموقع الأثري، وتدمير المباني الإدارية والمستودعات الأثرية التي تحتوي على المجموعات والوثائق التاريخية للموقع. وكما تناثرت الشظايا والركام فوق الأعمدة الرومانية القديمة واللوحات الفسيفسائية والمدافن.
2. قلعة شمع
تدمير منهجي وشامل، صُنفت من قِبل وزارة الثقافة بأنها القلعة التي “دُمّرت” بالكامل بفعل القصف المدفعي والجوي المركز الذي استهدف بنية الحصن التاريخي ومحيطه.
3. قلعة الشقيف
تعرض محيط القلعة لغارات جوية قريبة جداً هزت أساساتها التاريخية، وأعلن وزير الثقافة اللبناني أنها تواجه خطراً داهماً وتهديدات إسرائيلية علنية بالتفجير والمحو.
4. قلعة شقرا-دوبية
توغلت القوات الإسرائيلية داخلها واحتلتها ورفعت العلم الإسرائيلي فوق أسوارها، مما يجعلها عرضة للتدمير المباشر أو التخريب البنيوي.
5. قلعة تبنين-تورون
أصيبت أجزاء من أسوار القلعة نتيجة القصف القريب (2024-2025) والاهتزازات الناجمة عن الغارات، مما تسبب بتشققات في جدرانها.
6. قلعة ديركيفا-مارون
تقع في منطقة اشتباكات وقصف مستمر، مما ألحق أضراراً غير محددة بدقة حتى الآن بسبب صعوبة وصول فرق الحماية والترميم للموقع لإجراء تقييم نهائي.
كيف لمنظمة اليونسكو أن تفعّل القرار؟
اعتبرت المصري أنّ تفعيل القرار يكون من خلال تفعيل نظام الحماية المعززة المنصوص عليه في اتفاقية لاهاي لعام 1954، بما يوفر حماية قانونية دولية مشددة، ويُسهم في تجريم أي اعتداء عسكري على هذه المواقع ومساءلة المسؤولين عنه، والاستعانة بمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) لتوثيق الأضرار ورصد حجم الدمار بدقة، ولا سيما في المناطق التي يتعذر الوصول إليها ميدانيًا.
إضافة إلى توفير تمويل دولي عاجل لدعم التدابير الطارئة، بما يشمل تجهيز مستودعات آمنة لحفظ الممتلكات الثقافية المنقولة، ونقل القطع الأثرية التي أمكن إنقاذها من موقع صور إلى أماكن آمنة وفقًا للمعايير الدولية، وإيفاد بعثات من الخبراء الدوليين، بالتعاون مع المجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS)، لإجراء تقييم ميداني شامل للأضرار ووضع خطط عاجلة للحماية والترميم فور توقف العمليات العسكرية وتوافر الظروف الأمنية المناسبة، بحسب المصري.
لماذا يستهدف الاحتلال الآثار وكيف يمكن لهذه الحماية الدولية المساعدة؟
أجابت المصري: “أي عدوان هدفه تدمير المجتمع والهوية ومحو الذاكرة، ليس فقط المواقع الأثرية استُهدفت، وإنما أيضًا قرى وأسواق وبيوت تراثية وجسور، وحتى النبات والأشجار، وذلك كله بهدف تدمير كل ما يربط الحاضر بالماضي، وهذا ما يؤدي إلى فقد التعلق بالارض والهوية والابتعاد عن الأصالة بمحو كل ما هو مرتبط بتاريخ المنطقة”.
وختمت بالقول: “كل هذا لا يصبح قيد التنفيذ أمام عدو جائر لا يفقه قيمة التاريخ والحضارة، وأي حماية ستكون بموافقة ومتابعة من المديرية العامة للآثار والوزارة والفريق العامل في الجنوب ككل”.
وفاء حريري




























