قامت وزارة الداخلية العراقية، بعد أقل من أسبوعين من قرار الحكومة بحظر لعبة روبلكس رسميا في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، باعتقال مراهق عراقي يبلغ من العمر 14 عاما بسبب اللعبة. أفادت التحقيقات بأن هذا المراهق، رغم حداثة سنه، استطاع تأسيس 16 شبكة لاستغلال وإيذاء المراهقين والقُصَّر في غرف المحادثات الرقمية الخاصة داخل اللعبة.
كشفت التحقيقات أيضا أنه تسبب في انتحار 30 قاصرا من 29 دولة مختلفة حول العالم، إذ كان يطلب من ضحاياه أن يكتبوا أسماءهم بالدم على أجسادهم وأن يحرقوا حيوانات حية أو يضرموا النيران في المنازل، وعادة ما ينتهي الأمر بأن يطلب منهم أن يقتلوا أنفسهم طاعة لأوامره.
العراق ليس الدولة الوحيدة التي قامت بحظر اللعبة. فقد قامت كل من قطر ومصر والأردن وسلطنة عمان والسعودية والإمارات، بالإضافة إلى فلسطين وتركيا والصين وروسيا إما بحظر اللعبة كليا أو بتشديد الرقابة عليها وتقييد أو تعطيل ميزات الدردشة والتواصل داخلها. في السياق نفسه أصدر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية فتوى تُحرّم كل الألعاب الإلكترونية التي تحض على الكراهية، أو تحتوي على مشاهد عنف، أو تسيء للدين والمقدسات، أو تعرض الأطفال لمخاطر أخلاقية وسلوكية، وعلى رأسها لعبة روبلكس.
جاء ذلك في بيان للمركز نشر على صفحته بمنصة فيسبوك العام الماضي، وورد فيه: “سبق لمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن حذر من بعض الألعاب الإلكترونية التي تسرق أوقات الشباب، وتحبسهم في عوالم افتراضية، وتنمي لديهم سلوكيات العنف، وتعرضهم لمخاطر فكرية وسلوكية، فضلا عما تسببه من أضرار نفسية وأسرية واجتماعية، ومن بين هذه الألعاب لعبة روبلكس التي انتشرت عالميا، وأتيح فيها للمستخدمين إنشاء ألعابهم وتجاربهم الخاصة، بما يجعلها عرضة لإضافة محتويات غير لائقة وخطيرة، وقد حظر هذه اللعبة عدد من الدول، بسبب ما تنطوي عليه من تهديد مباشر لسلامة الأطفال”.
ومع ذلك، ورغم جميع التحذيرات والفتاوى، وحتى الحظر الذي لجأت له بعض الدول، لا يزال عدد مستخدمي اللعبة حول العالم أكثر من 132 مليون مستخدم وفق بيانات المنصة الصادرة نهاية الربع الأول من العام الحالي، السواد الأعظم منهم من الأطفال والمراهقين. الأمر الذي يدفعنا للنظر والتساؤل، ليس فقط في طبيعة لعبة روبلكس وما تنطوي عليه من مخاطر، بل في طبيعة الفضاء الإلكتروني والعالم الرقمي الحديث بأسره: هل صُمم العالم الحديث والفضاء الرقمي بحيث يستوعب احتياجات الطفل أصلا؟
العالم لا يكره الأطفال.. لكنه لم يُصمم لهم
رغم ما حققه العالم من تقدم علمي وتقني غير مسبوق، لا يزال الأطفال من أكثر الفئات تعرضا للعنف والاستغلال. ولا يمكن تفسير الأمر أو اعتباره نتيجة حتمية لوجود الشر الفردي وحده. فالعالم الحديث قد لا يكون مصمما بصورة تراعي احتياجات الطفل أصلا. بمعنى آخر، هشاشة الطفولة اليوم ليست نتيجة عداء مباشر، بل ثمرة إهمال بنيوي يجعل حماية الأطفال تأتي في مرتبة لاحقة ضمن منظومة تقوم على السرعة والإنتاج والمنفعة.
فالإشكال الحقيقي ليس الشر الفردي، بل قدرة البيئة الاجتماعية والاقتصادية والتقنية المعاصرة على إنتاج شروط تسمح بتفاقم هذا الشر أو الحد منه. وهكذا ينتقل السؤال من الأخلاق الفردية إلى هندسة العالم نفسه: هل ثمة إهمال راسخ يقف وراء معاناة الأطفال من أشكال الفظاعة والألم الإنساني؟ أليس حري بعالم يتحدث بلغة الإنتاج والإنجاز والذكاء الاصطناعي والتقدم أن يسائل نفسه عن موضع أضعف فئاته، الأطفال، ولو من باب النقد الذاتي؟
من أجل معالجة هذه الأسئلة يجب النظر أولا في إحصائيات الأمم المتحدة عن الاتجار بالبشر، خاصة الأطفال، في السنوات الأخيرة. فقد أشار مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، في تقريره عن الاتجار بالبشر الصادر عام 2025، إلى أن الأطفال والقُصر يمثلون حاليا 38% من إجمالي ضحايا الاتجار بالبشر على مستوى العالم، مسجلين ارتفاعا ملحوظا في السنوات الأخيرة نتيجة تزايد النزاعات.
الفضاء الرقمي كان له دور خطير في تفاقم الأمر. فقد ورد في تقرير منظمة بولاريس العالمية حول دور وسائل التواصل في تسهيل الاتجار بالبشر أن “الإنترنت أعاد تشكيل طريقة بيع وشراء كل شيء بشكل جذري، بما في ذلك البشر أنفسهم. فقد استخدم المتاجرون بالبشر وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد الضحايا، وتوسيع عملياتهم، والسيطرة عليهم عبر تقييد وصولهم إلى حساباتهم، أو انتحال هويتهم، أو نشر الأكاذيب والشائعات عنهم عبر الإنترنت. وفي المقابل، بات الناجون يوظفون هذه المنصات كوسيلة لطلب المساعدة، وبناء شبكات دعم، وتشكيل مجتمعات تسمح لهم بالتواصل”.
كذلك أكد التقرير أن المنصات الرقمية الحديثة سهلت بشكل كبير استغلال البشر حتى تحولت “العبودية الحديثة” إلى صناعة عالمية تُقدَّر قيمتها بنحو 150 مليار دولار، ويُجرَّد حوالي 25 مليون شخص حول العالم من حريتهم بسببها. وبالعودة لتقرير الأمم المتحدة فإن نسبة 38% من هؤلاء الضحايا أطفال وقُصر تحت سن 16 سنة.

لا يكفي الشر الفردي لتفسير ظاهرة بهذا الحجم، ما يدفعنا للنظر في طبيعة العالم الذي يعيش داخله أطفال اليوم. تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن أكثر من مليار طفل يتعرضون سنويا لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع أو الفضاء الرقمي، وأن آثار هذا العنف لا تتوقف عند لحظة وقوعه، بل لها آثار طويلة الأمد تمتد إلى الصحة النفسية والتعليم والقدرة على بناء علاقات مستقرة طوال الحياة.
على سبيل المثال لا الحصر، في عام 2023 أعلن الإنتربول عن تفكيك شبكة إجرامية عابرة للحدود لاستغلال الأطفال جنسيا امتدت عملياتها عبر 47 دولة. وفي عام 2026، أعلن مجددا عن عملية دولية أسفرت عن تحديد هوية مئات الأطفال وإنقاذ عدد كبير منهم، إلى جانب توقيف مئات المشتبه بهم في 13 دولة. لم تكن هذه العمليات دليلا على تطور أجهزة إنفاذ القانون فحسب، بل كانت أيضا دليلا على أن الجريمة نفسها أصبحت أكثر تنظيما وعالمية، مستفيدة من الأدوات الرقمية ذاتها التي يُحتفى بها بوصفها رموزا للتقدم.
هذه الأرقام لا تصف عالما يكره الأطفال، بل تصف عالما لم يجعلهم في مركز تصميمه. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين العداء والإهمال البنيوي. العداء فعل مباشر يسهل التعرف إليه وإدانته: يمكن تجريمه، ومحاكمته، وإحصاء ضحاياه. أما الإهمال البنيوي فهو أكثر هدوءا وأصعب مساءلة؛ ينشأ حين تُبنى الأنظمة الاقتصادية والتقنية والاجتماعية حول احتياجات البالغ المنتِج، بينما تُترك احتياجات الطفل لتُعالَج لاحقا بوصفها استثناء طارئا لا مكونا تأسيسيا.
منطق الإنتاج وزمن الطفولة المتعارض
يكافئ العالم المعاصر السرعة والإنجاز والقدرة المستمرة على الإنتاج أكثر مما يكافئ التمهل، بل ويُقاس تقدم المجتمع بقدرته على النمو الاقتصادي والابتكار التقني ومعدلات الاستهلاك. أما الطفل، فهو لا يضيف شيئا إلى الناتج المحلي الإجمالي، ولا يرفع مؤشرات الكفاءة، ولا يشارك في السوق بصفته منتجا أو مستهلكا كامل الأهلية.
الأطفال بحكم طبيعتهم البيولوجية والنفسية في حاجة ماسة إلى الوقت والصبر والحضور الإنساني الدافئ. وهي عناصر يصعب قياسها بالأرقام التي اعتاد العالم الحديث أن يقيس بها نجاحه. هذا التعارض بين “زمن الإنتاج” و”زمن الطفولة” ليس عرضيا، بل هو نتيجة مباشرة لتحول الزمن نفسه في عالمنا المعاصر إلى مورد اقتصادي.
المشكلة أن الطفولة، بحكم بنيتها الوجودية، عملية بطيئة لا يمكن تسريعها: يحتاج الطفل إلى من يستمع إليه، ويكرر له الإجابة نفسها عشرات المرات، ويشاركه اللعب، ويلاحظ تغيرات مزاجه، ويمنحه شعورا دائما بالأمان. هذه الاحتياجات لا يمكن ضغطها داخل جدول مزدحم، ولا استبدالها بتطبيق ذكي أو شاشة أكثر تطورا، لأنها ببساطة تنتمي إلى منطق مختلف عن منطق الكفاءة الذي يحكم بقية الحياة الحديثة.
فالوقت الذي يقضيه الأبوان مع الطفل يتقلص عاما بعد عام. وسياسات السوق الرأسمالي الحديث لا تترك مساحات كبيرة للأبوين، فكل فرد يضطر للعمل غالبا 8 ساعات يوميا لسد احتياجات أسرته ومواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة. جدير بالذكر أيضا أن شبكات الدعم التقليدية التي كانت تقدمها الأسرة الممتدة تقلصت. لم يعد الجد والجدة يعيشان في المنزل نفسه كما كان الحال في مجتمعات كثيرة، ولم يعد الجار يعرف أبناء جاره بالضرورة، وأصبحت المدن الحديثة أكثر اتساعا، لكن أقل ترابطا اجتماعيا.
في كتابه الشهير “لعب البولينج بمفردك” (Bowling Alone)، يسمي عالم السياسة الأمريكي روبرت بوتنام هذا التحول باسم “تآكل رأس المال الاجتماعي”، ويقصد به تراجع الروابط والثقة والمشاركة داخل المجتمع، بحيث تصبح الأسرة أكثر عزلة في مواجهة تحديات الحياة اليومية. ولا ينعكس هذا التآكل على رفاهية الكبار فقط، بل على الأطفال أيضا بالدرجة الأولى.
فالطفل الذي كان محاطا تاريخيا بعدة بالغين يلاحظون غيابه أو تغيّر سلوكه، أصبح يعتمد اليوم غالبا على شخصين فقط، أو أحيانا على شخص واحد. وكلما ضعفت هذه الشبكة الحمائية غير الرسمية، ازدادت هشاشة الطفل أمام الإهمال أو الاستغلال، لا لأن أحدا قرر تعريضه للخطر، بل لأن البنية التي كانت تحميه تراجعت من تلقاء نفسها تحت ضغط منطق اقتصادي لا يأبه لوجودها.

اقتصاد الانتباه ومفارقات الفضاء الرقمي
للحق، فإن تقلص الوقت الذي يقضيه الأطفال مع الأسرة بدأ منذ زمن الثورة الصناعية. ومع ذلك، فإن العالم الرقمي الحديث قد أدخل هو الآخر تغييرا بنيويا على العلاقات الأسرية. الإنترنت مثلا في بداية ظهوره كان ينظر إليه بوصفه مساحة غير مسبوقة للتعلم والتواصل والانفتاح على العالم.
وقد كان هذا الادعاء صحيحا إلى حد ما. فقد أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى، وظهرت فرص تعليمية وثقافية لم تكن متاحة للأجيال السابقة. لكن التكنولوجيا أثبتت أنها لا تحمل قيما أخلاقية في ذاتها؛ فهي تعكس الأهداف التي صُممت من أجلها، ومنطق الاقتصاد الذي أنتجها.
فظهور منصات التواصل الاجتماعي على مسرح العالم الرقمي فتح الباب أمام اقتصاد جديد. فشركات التكنولوجيا لم تعد تتنافس فقط على تقديم الخدمات، بل على جذب انتباه المستخدم لأطول مدة ممكنة. وهكذا أصبح الانتباه نفسه سلعة اقتصادية تجري عليها مقتضيات وأحكام وشروط اقتصاد السوق. كما أصبحت الخوارزميات مصممة لتعظيم التفاعل لا لمراعاة السلامة النفسية أو جودة التجربة الإنسانية.
هذا التوجه الرأسمالي الاستهلاكي في التعاطي مع منصات التواصل الاجتماعي يغفل في جوهره أن الخوارزمية لا تعرف البراءة، ولا تميز بين مستخدم في الأربعين وآخر في الثانية عشرة؛ إنها ترى بيانات فقط؛ مدة مشاهدة، ونسبة نقر، وسجل تفاعل، واحتمال بقاء المستخدم متصلا. الطفل، في هذا النظام، ليس ذاتا لها احتياجات نفسية متمايزة، بل بيانات في السوق الرقمي الجديد. لذلك، فإن المحتوى الذي يثير المشاعر القوية، كالخوف أو الغضب أو الفضول أو الإثارة، يميل إلى الانتشار أكثر، لأنه يحقق الهدف الاقتصادي الأساسي للمنصة: إبقاء المستخدم، بغض النظر عن عمر هذا المستخدم واحتياجاته، متصلا لأطول وقت ممكن.
وقد دفعت هذه الحقيقة عددا متزايدا من الباحثين إلى دراسة أثر وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين. ففي عام 2023، أصدرت جمعية علم النفس الأمريكية إرشادات علمية أكدت أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس ضارا بالضرورة، لكنه قد يرتبط بزيادة مخاطر القلق والاكتئاب واضطرابات النوم واضطرابات صورة الجسد (عدم رضا الشخص عن شكله وجسده)، خصوصا حين يكون الاستخدام مكثفا أو غير خاضع لإشراف مناسب.
كما أثارت الوثائق الداخلية التي كُشف عنها فيما عُرف بـ”ملفات فيسبوك” جدلا عالميا، بعدما أظهرت أبحاث داخلية أجرتها شركة ميتا (Meta) حجم تأثير تطبيق إنستغرام السلبي على صورة الجسد لدى نسبة من المراهقات. كذلك عزز عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت هذا النقاش في كتابه “الجيل القلق” (The Anxious Generation)، مشيرا أن الطفولة انتقلت تدريجيا من “طفولة قائمة على اللعب” إلى “طفولة قائمة على الهاتف”، وهو تحول رافقه ارتفاع ملحوظ في معدلات القلق والاكتئاب وإيذاء النفس بين المراهقين.
أتاحت منصات التواصل الاجتماعي أيضا للمجرمين الوصول إلى الأطفال دون الحاجة إلى الاقتراب منهم جسديا. فآليات التحقق من العمر، وأدوات الرقابة الأبوية، وخصائص الحماية من التنمر أو المحتوى الضار، جاءت جميعها بعد سنوات من إطلاق هذه المنصات، وكأن حماية الطفل كانت إصلاحا متأخرا لا مبدأ تأسيسيا في التصميم. وهذا هو جوهر الإشكال البنيوي: ليست المشكلة أن التكنولوجيا شريرة، بل أنها صُممت وفق منطق السوق أولا، ثم أُضيفت اعتبارات الطفولة لاحقا، حين بدأت الكلفة الإنسانية لهذا التصميم بالظهور.

الطفولة بوصفها اختراعا حديثا نسبيا
لفهم هذا الغياب البنيوي فهما أعمق، يفيدنا الرجوع إلى تاريخ مفهوم الطفولة ذاته. يذهب المؤرخ الفرنسي فيليب أرييس، في عمله المرجعي “قرون الطفولة” (Centuries of Childhood)، إلى أن فكرة “الطفولة” بوصفها مرحلة عمرية متمايزة، لها احتياجاتها النفسية والتربوية الخاصة، هي في جانب كبير منها اختراع حديث نسبيا، لم يتبلور بشكله المعاصر إلا مع القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا. قبل ذلك، كان يُنظر إلى الطفل غالبا بوصفه “بالغا صغيرا” لم يكتمل نموه بعد، لا بوصفه كائنا له عالمه الخاص ومنطقه الوجودي المستقل.
هذه الملاحظة التاريخية، وإن أثارت جدلا منهجيا واسعا بين المؤرخين حول دقتها التفصيلية، تحمل دلالة فلسفية مهمة تظل صالحة: أن الاهتمام المؤسسي بالطفولة، حين ظهر، لم يظهر كبديهة تلقائية، بل كإنجاز ثقافي وتاريخي.
وإذا كانت الطفولة اختراعا حديثا نسبيا وهشا، أفلا تكون الاختبار الأكثر مصداقية للنظام العالمي الحديث والعالم الرقمي؟ الواقع أن أي دولة إذا كانت بصدد قياس مدى تقدم مجتمعها، فإنها تلجأ إلى مؤشرات مألوفة مثل: الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط الدخل، ومعدلات البطالة، وهي كلها مؤشرات ضرورية، لكنها تشترك في سمة واحدة: أنها تقيس، بدرجات متفاوتة، كفاءة المجتمع في خدمة الإنسان البالغ القادر على الإنتاج.
أما الطفل، فلا يكاد يظهر في هذه المعادلة. إنه لا يضيف شيئا إلى الناتج المحلي، ولا يشارك في سوق العمل، ولا يصنع القرار السياسي، ولا يملك قوة تفاوضية، ولا يمثل كتلة انتخابية تُجبر الحكومات على الالتفات إلى مطالبه.
في هذا السياق نستحضر نظرية حجاب الجهل، التي قدمها الفيلسوف الأمريكي جون رولز في كتابه الشهير “نظرية في العدالة” (A Theory of Justice) الصادر عام 1971. “تجربة حجاب الجهل” (Veil of Ignorance) تطرح فكرة أنه إذا كان الشخص لن يعرف ما إذا كان سيولد في طبقة غنية أو فقيرة، أو يتمتع بصحة جيدة أو يكون معاقا، فإنه سيختار تلقائيا وبشكل عقلاني نظاما وقوانين عادلة تحمي الفئات الأضعف وتضمن الحقوق المتساوية للجميع، خوفا من أن يجد نفسه في أسفل الهرم الاجتماعي وألا يجد لنفسه مساحة عادلة في المجتمع يستطيع من خلالها ممارسة حياته بشكل طبيعي.
نفس الفكرة أقرتها الفيلسوفة حنا أرندت في مقالها المعروف “أزمة التعليم” (The Crisis in Education)، حين وصفت الطفل بأنه “قادم جديد” إلى عالم لم يصنعه، وأكدت أن مسؤولية الكبار الأخلاقية الأولى تجاهه هي حمايته من العالم بقدر ما هي تهيئته له.
فالطفل، عند أرندت، ليس مشروعا يجب تشكيله وفق حاجات النظام القائم، بل كائن يحمل إمكانية البدء من جديد، وهي الإمكانية التي تسميها “الوِلادية” (natality)، أي القدرة على إدخال ما هو جديد وغير متوقع إلى العالم. وحين يُصمَّم العالم بحيث يُخضِع هذا “القادم الجديد” لمنطقه الاقتصادي والتقني منذ اللحظة الأولى، فإنه لا يهمله فحسب، بل يصادر أيضا إمكانية التجديد التي يمثلها وجوده أصلا.
يقدّم عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان مفهوما آخر يساعد على تفسير هذه المفارقة، وهو مفهوم “الحداثة السائلة” (Liquid Modernity)، الذي يصف به عالما فقدت فيه المؤسسات والعلاقات والهويات ثباتها التقليدي، وأصبحت في حالة تغير وتدفق مستمرين. في هذا العالم السائل، تتغير قواعد اللعبة الاقتصادية والتقنية أسرع بكثير مما تستطيع المؤسسات الحمائية، القانونية والتربوية والأسرية، أن تتكيف معه.
رصد باومان هذا يساعد بدوره في تفسير ظاهرة لافتة تتكرر في العقود الأخيرة: كلما تطورت التكنولوجيا، ازدادت الحاجة إلى قوانين جديدة لحماية الأطفال منها، وكلما ظهرت منصة رقمية جديدة، بدأت بعد سنوات محاولات متأخرة لإضافة أدوات الرقابة الأبوية والتحقق من العمر والحد من المحتوى الضار. وكأن السؤال عن الطفل لا يُطرح عند ابتكار التقنية، بل بعد أن تبدأ آثارها الجانبية في الظهور.
لا ينبغي أن يُقاس معيار التقدم الحقيقي فقط بما تستطيع الحضارة إنجازه أو إنتاجه، بل أيضا بمن تعجز تلك الحضارة عن حمايتهم. فالحضارة التي تبلغ ذروة قوتها التقنية، ثم تظل عاجزة عن صون أكثر أفرادها هشاشة، مدعوة إلى أن تعيد النظر في الطريقة التي تُعرِّف بها تقدمها نفسه.





























