خاص- حرب بلا حسم: من الصواريخ إلى مفاتيح الطاقة ومعادلة «الأمن مقابل الحياة»

656

شفقنا-بيروت
ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يُقرأ ضمن منطق الحروب التقليدية التي تُحسم بالضربات العسكرية المباشرة. فالتبادل الناري القائم، رغم حدّته، يحمل طابعًا كلاسيكيًا محدود الأثر الاستراتيجي، حيث لا تبدو أي من الجهتين قادرة، أو راغبة، في الذهاب نحو حسم عسكري شامل يفضي إلى تغيير النظام أو إسقاط الدولة.

هذا السقف المنخفض نسبيًا للصراع يفتح الباب أمام تحوّل أعمق: انتقال الحرب من الميدان العسكري إلى ميدان السيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي، وتحديدًا الطاقة والملاحة التجارية.

في هذا السياق، تبرز إيران كلاعب يمتلك ورقة جيوسياسية فائقة الحساسية، تتمثل في قدرتها على التأثير في أحد أهم شرايين العالم: الممرات البحرية التي تعبرها إمدادات النفط والغاز.

إن الموقع الجغرافي لإيران، وإشرافها المباشر على مضيق هرمز أو غير المباشر “باب المندب” مفاصل بحرية حيوية، يمنحها ما يمكن تسميته “مفتاح العبور إلى العالم”.

ومع كل تصعيد، يتأكد أن طهران لا تحتاج إلى انتصار عسكري تقليدي لتفرض معادلة ردع جديدة، بل يكفي أن تلوّح بقدرتها على تعطيل أو تهديد انسياب الطاقة حتى تعيد رسم قواعد اللعبة.

الحقوقي والأكاديمي الدكتور محمد عيسى

من جهة أخرى، تبدو الإدارة الأميركية وخصوصًا في ظل شخصية سياسية كترامب تميل إلى الحسم السريع، أكثر عرضة للاستنزاف كلما طال أمد الصراع. فالكلفة هنا لا تُقاس بعدد الضربات أو الخسائر الميدانية، بل بتداعياتها على الأسواق، وأسعار الطاقة، والاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما ينعكس مباشرة على الداخل الأميركي سياسيًا وانتخابيًا. بهذا المعنى، تتحول الحرب إلى معادلة استنزاف اقتصادي غير متكافئ، حيث تملك إيران أدوات إطالة الحرب، بينما يواجه الطرف الأميركي ضغوط عامل الوقت.

إن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط نقل الصراع إلى مستوى “حرب الطاقة”، بل إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته. لم يعد التفوق العسكري كافيًا لفرض الإرادة، بل باتت القدرة على التأثير في تدفقات الحياة اليومية للعالم من وقود وكهرباء وسلاسل إمداد هي المحدد الأهم. وهنا، تقترب إيران من صياغة معادلة جديدة تختلف عن تلك التي أرستها الولايات المتحدة في العراق تحت عنوان “الأمن مقابل الغذاء”. المعادلة الناشئة اليوم يمكن تلخيصها بـ”الأمن مقابل الحياة”: من يضمن أمن إيران، تضمن له هي انسياب الطاقة وحرية العبور.

ضمن هذا الإطار، لا يبدو أن المنطقة مقبلة على حرب كبرى بقدر ما هي أمام إعادة تموضع استراتيجي عميق. إيران، حتى وهي تتحرك ضمن حدودها الإقليمية، تسعى إلى تثبيت نفسها كعقدة لا يمكن تجاوزها في النظام العالمي للطاقة.

أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام اختبار جديد: كيف تدير صراعًا لا يُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل يتطلب إعادة نظر في أدوات النفوذ والردع.

في المحصلة، نحن أمام لحظة انتقالية في طبيعة الصراعات الدولية، حيث تتراجع الحروب الكلاسيكية لصالح حروب التحكم بالشرايين الحيوية للعالم. ومن يمتلك القدرة على إغلاق أو فتح هذه الشرايين، يمتلك مفاتيح إعادة تشكيل النظام الدولي.

بقلم الدكتور محمد عيسى

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here