خاص- هل تمهّد المنطقة التجريبية لانسحاب إسرائيلي كامل أم تؤسس لواقع أمني جديد؟

20

خاص شفقنا-بيروت
يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن المنطقة التجريبية التي نص عليها اتفاق الاطار بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، والتي كانت نقطة خلاف أراد الاحتلال من خلالها البقاء أطول وقت ممكن في الأراضي اللبنانية التي احتلها أو التي يفرض عليها سيطرة نارية، إلا أن الاتفاق الأخير نص على الانسحاب من عدة بلدات لبنانية وضعت ضمن خانة المنطقة التجريبية، فما هي هذه المناطق وهل يمكن أن تضمن هذه الخطة انسحابا اسرائيليا كاملا من لبنان؟

أستاذ الحقوق والعلاقات الدولية الدكتور محمد عيسى وفي مقابلة خاصة مع وكالة “شفقنا”، علّق على ما يُسمّى بالمناطق التجريبية يفترض بأنّها مناطق كانت محتلة سابقًا، ومن المفترض أن تنسحب منها إسرائيل، ثم ينتشر فيها الجيش اللبناني بعد ذلك، أمّا في مناطق مثل فرون، والغندورية، وزوطر الغربية، والتي لا وجود للاسرائيلي داخلها، وإنما يتمركز في أطرافها، على سبيل المثال في الغندورية، حيث تتمركز القوات الإسرائيلية في خراج البلدة على الكتف الشمالي لمنطقة وادي السلوقي، وليس داخل البلدة نفسها.

وأضاف: “من المهم توضيح أن المنطقة التجريبية في المرحلة الأولى ليست منطقة احتلتها إسرائيل ثم انسحبت منها، وإنما ينصب التركيز على كيفية انتشار الجيش اللبناني وآليات التقييم، معتبرا أنّه إذا كانت هناك بالفعل مناطق تجريبية تنسحب منها القوات الإسرائيلية، فإن ذلك يأتي في إطار اختبار للترتيبات الأمنية، وهذا لا يعني تلقائيًا أن الانسحاب الكامل أصبح مضمونًا. وما يجري حاليًا يمكن اعتباره خطوة أولية لاختبار ثلاثة عناصر رئيسية. وهي بحسب عيسى كالتالي:

العنصر الأول هو اختبار قدرة الدولة اللبنانية على الانتشار في المنطقة التجريبية.

العنصر الثاني هو اختبار فعالية قوات اليونيفيل، على الأقل حتى نهاية العام الحالي مع انتهاء ولايتها، مع احتمال تمديد هذه الولاية أو الاتفاق على استبدالها بقوات متعددة الجنسيات، تضم الدول نفسها أو معظمها، وتكون موجودة بموافقة وإرادة مشتركة بينها وبين الدولة اللبنانية.

أما العنصر الثالث فهو اختبار مدى التزام الأطراف بمنع أي تصعيد جديد، أي التزام كل من الطرف اللبناني والطرف الإسرائيلي، ومن الطبيعي أن تكون مثل هذه الترتيبات مرتبطة بالتفاهمات السياسية والأمنية الأوسع.

الحقوقي والأكاديمي الدكتور محمد عيسى

أما السيناريوهات المحتلمة لهذه الخطة فهي كالتالي:

السيناريو الأول هو نجاح التجربة، بحيث تشكل هذه الخطوة بداية لمسار ناجح يؤدي إلى توسيع الانسحاب تدريجيًا، وصولًا إلى انسحاب أوسع إذا تحقق الاستقرار الأمني.

أما السيناريو الثاني فهو بقاء هذه المناطق كمناطق عازلة غير معلنة، بحيث تصبح المنطقة الواقعة على الخط الأصفر منطقة فاصلة، مع استمرار المراقبة الجوية والإجراءات الأمنية الإسرائيلية رغم الانسحاب البري. وهذا ما يمكن وصفه بالخروج من الاحتلال العسكري مع البقاء تحت نوع من الاحتلال الأمني، بمعنى عدم وجود قوات إسرائيلية على الأراضي اللبنانية، مقابل استمرار السيطرة الجوية عبر الطائرات المسيّرة والدرونات، إضافة إلى أبراج المراقبة التي بدأ الجيش الإسرائيلي بتركيبها، ومنها البرج الذي أُقيم في موقع معتقل الخيام السابق.

أما السيناريو الثالث فهو فشل التجربة الأولى، وعودة إسرائيل إلى تجميد أي انسحاب إضافي إذا اعتبرت أن البيئة الأمنية لا توفر الضمانات المطلوبة، بحسب عيسى.

وأضاف: “من أجل تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل، لا بد من توافر مجموعة من الشروط، أولها ضمان عدم وجود أي نشاط عسكري تعتبره إسرائيل مهددًا بالقرب من الحدود، إذ إنها لن تنسحب قبل التأكد من عدم وجود أي عمل عسكري، على الأقل في المنطقة الحدودية، وربما في كامل منطقة جنوب الليطاني. والشرط الثاني هو انتشار سريع وفعّال للجيش اللبناني في تلك المناطق”.

وحول وجود تعقيدات أمام تنفيذ هذا الانسحاب، يجيب عيسى : “إلى جانب التفاهمات السياسية والدولية، توجد تعقيدات أمنية عديدة، أبرزها الخلاف بين لبنان والاحتلال حول مفهوم الأمن المستدام، إضافة إلى الخلاف بشأن آليات التحقق والمراقبة بعد الانسحاب، وكيفية التعامل مع أي حوادث ميدانية قد تقع لاحقًا، لأن عدم معالجة هذه المسائل قد يؤدي إلى تصعيد جديد”.كما تبقى قضية تحليق الطائرات المسيّرة والطائرات الحربية الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية إحدى الثغرات الأمنية الأساسية، إذ لا توجد حتى الآن أي صيغة متفق عليها لمعالجة هذه المشكلة.

أما من الناحية القانونية، فإن استمرار الاحتلال لأي جزء من الأراضي اللبنانية يُبقي النزاع القانوني قائمًا، لا سيما في ظل وجود قرار مجلس الأمن رقم 1701، وتمسك لبنان بتطبيقه الكامل، ويكمن الخلاف بين الجانبين في تفسير القرار، ولا سيما ما إذا كان حصر السلاح يقتصر على منطقة جنوب الليطاني أم يشمل كامل الأراضي اللبنانية.

وأضاف: “أما أبرز العراقيل، فهي أن الملف اللبناني أصبح مرتبطًا بالتطورات الإقليمية، ولا سيما بالعلاقات الأمريكية الإيرانية، وهو ما يجعل انعكاس هذه العلاقات على لبنان إيجابيًا أو سلبيًا بحسب طبيعتها. كما أن الضغوط السياسية الداخلية في كل من إسرائيل ولبنان تحدّ من إمكانية اتخاذ قرارات كبيرة، ولا سيما في إسرائيل قبل الانتخابات المقررة في شهر أكتوبر”.

ويختم عيسى بالقول: ما يمكن تنفيذه سريعًا هو انسحابات تدريجية، إلا أن المشكلة تكمن في غياب جدول زمني واضح، ما قد يؤدي إلى إطالة أمد العملية إذا لم يتم الاتفاق على إطار زمني محدد. ومن بين المسائل المطروحة أيضًا إنشاء آليات مراقبة مشتركة برعاية دولية، إلا أن الخلاف لا يزال قائمًا حول ما إذا كان التنسيق سيكون مباشرًا بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، من خلال غرفة عمليات أو غرفة تنسيق مشتركة، وهو أمر يرفضه الجيش اللبناني حتى الآن.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن الانسحاب الكامل ليس مستحيلًا، لكنه ليس قريبًا أيضًا، إذ يبقى مرهونًا بتوافر ضمانات أمنية وسياسية وقانونية متزامنة ومترابطة، ولا يمكن اعتباره مجرد قرار عسكري إسرائيلي منفرد، نظرًا لارتباطه بالملفات الإقليمية، وفي مقدمتها التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران وانعكاساته على منطقة الخليج العربي، وفق ما أكده عيسى.

وفاء حريري 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here